مكتب دراسات الشرق الاسلامي

نموذج كوبا في أزمة الخليج العربي

نموذج كوبا في أزمة الخليج العربي

مهنا الحبيل

16/4/2019

لم يغب توقّع عنصر المفاجأة، في أي تطوراتٍ تعرفها الأزمة الخليجية، في المنعطف الأخير، غير أن الإشكالية كانت دائماً في سقوط أي تحليل سياسي يوضع في الحسبان، بناءً على مصالح الطرف ذي العلاقة المباشرة، وهو نظام الحكم السعودي الجديد، سواءً للخروج من المأزق الذي تسببت فيه سياساته، أو تثبيت مرحلة الحكم الجديد، وانتقال المُلك إلى ولي العهد، الممسك كلياً بكل مفاصل قرارات الحكم السياسية والسيادية، داخل المملكة وخارجها.

ولذلك، تجمدت الوساطة الكويتية ضمنياً، أي من دون الحاجة للتصريح، وإنما عبر سياق الموقف الإعلامي والسياسي، وشاهده التوتر في الحدود البحرية للكويت مع المملكة، ضمن خلاف المنطقة المحايدة، والذي يدعم وضع سياق كلمةٍ لرئيس مجلس الأمة، مرزوق الغانم، في سياق التخفيف من هذا التوتر. وقد يكون أيضاً لرفع الحرج، في قضية تسليم الأمير نواف الرشيد للرياض، والذي أطلق مع بقائه في المملكة، كما تفيد الأنباء، وليس في مقر إقامته في قطر عند خؤولته، متمنين للأمير ولوالدته وعائلته جمع الشمل والسلامة أينما كانوا.


ولسنا هنا ننفي مساحة الوسيط الكويتي، في كلماتٍ يُلقيها ممثلو الأمير الشيخ صباح الأحمد الصباح، أو بالتنسيق معه، فمن الطبيعي أن تتفهّم الدوحة هذا الوضع، سواءً كان بناءً على موقف خاص بالكويت، خشية تقلبات موقف الرياض، أو كان ضمن التهيئة لنجاح جولةٍ جديدة من الوساطة، غير أنه يُرجّح أن الزيارة والموقف كانا ضمن تهدئة كويتية، لتطور سعودي مفاجئ، يخص الملف القومي الكويتي، فهذه التهدئة لا تُلغي من حرص الكويت، على بناء منظومة دفاع استراتيجي، أو تخففه، حيث أُضيفت المخاوف من السعودية إلى المخاوف من العراق الذي تُهيمن طهران على قراره السياسي، في حال وقوع مواجهةٍ عسكريةٍ محدّدة منضبطة بمصالح واشنطن، أو حلقة ضغوطٍ وحربٍ باردة شرسة، يسعى فيها الطرفان إلى رفع حظوظهم، في أي مستوى للمفاوضات السرية التي يُرجح أن تديرها مسقط مجدداً.

فالخوف الجديد من السعودية موجود وثابت في التقييم الكويتي، والنموذج القطري أصبح يعطي دلالاتٍ لما بعد الأزمة، فنجاح الدوحة في وقف الاجتياح العسكري، بإضافة التوازن التركي، هو محل اهتمام كبير في الكويت، ومبعث جسورها أخيراً مع الصين، غير أن الصين لا يمكن أبداً أن تُمثل رادعاً عسكرياً لصالح الكويت، خصوصاً في فترة وجيزة، فهذه الأمور تأخذ مدى، وإنما هي مساعد لوجيستي.

ولذلك رَبط الشيخ صباح علاقة خاصة مع تركيا، لبقاء هذا الغرض معدّاً له في أي وقت، والأجواء التي تعيشها الكويت، في التعظيم المغرق للدولة العثمانية، نوعٌ من العلاقات العامة التي تُسهل مثل هذه الجوانب، وليست بالطبع ركيزة بديلة للقرار السياسي الكويتي عن الاتفاقيات الغربية التي تدهورت مصداقيتها بعد ضوء الرئيس الأميركي، ترامب، الأخضر لاجتياح قطر.


كما أن للعلاقة القديمة مع التاج البريطاني حضوراً مهماً، في مستقبل دول الساحل الخليجي، في حال وقعت أي تطورات كبرى، على الرغم من تغير موضع إنكلترا وقدراتها اليوم، وأزمتها مع الاتحاد الأوروبي. وشاهد الأمر أن التوازن التركي يُمثل عنصراً نوعياً، يقوم على تقدير مصالح قومية بين الطرفين، وليس بديلاً كلياً عن اتفاقات الكويت الاستراتيجية الأخرى.


هنا نلحظ قضية مهمة لكل دول الخليج، وهي أن تراجع فرص المشاركة الشعبية، وحرية الرأي، وغياب المجتمع المدني، وتحفيز الصراع الاجتماعي القبائلي – الحضري الذي تورّطت فيه دول المنطقة، أضحى مساهماً سلبياً في إضعاف الدولة والمجتمع، وتفجير الرياض هذا الملف، سبب أزمات كبيرة للحياة الاجتماعية الوطنية، في دول الخليج التي لم تشجع أصلاً بنية مجتمع مدني يساهم في نهضة الدولة الحديثة، وأبقت هذه الصراعات المؤسفة حاضرةً في سياساتها.


وقد لعب توظيف التجاذب القبلي دوراً سيئاً في الأزمة، والكل أبناء عرب القبائل وعرب الحاضرة، يجمعهم هّم وطني، وانتماء إسلامي وعروبي، ورحلة تاريخية في ساحل الخليج متحدة بين “هل السيف” و”هل الركاب”، والأصل كان أن يوحّد بينهم عبر قيم المجتمع المدني، مع بقاء كل وخصوصيته. المهم، في هذا الشأن، أن الكويت راقبت تأثيرات ملف الأزمة جيداً، وهي اليوم تدخل منعطفاً جديداً لبنية الإعداد الاستراتيجي.


هنا يتضح حجم المغامرة الكبيرة، في قرارات الرياض أخيرا، وأنها تُصعّد على نفسها، وباعتبار أن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، قد ذكّر بكوبا نموذجا للحصار، فرضته واشنطن على جارتها الأميركية الجنوبية، والذي بلغ أربعين عاما، هو ضمن خياراته في حصار قطر.

فالسؤال هنا ما هي المكاسب السعودية من ذلك، وما هي قدرات هيكل النظام الجديد، وتأثيرات حصار قطر عليه، مع الاشتباك الشرس مع الداخل السعودي، على مجمل مستقبل الدولة السعودية الثالثة، وارتدادات هذا التصعيد؟

وأخيرا، شملت الاعتقالات مجموعة القوميين العرب (النجدية) المعروفة بمناهضتها قطر، والتي ندعو إلى إطلاق كل مثقفيها، فما معيار الاعتقال؟

شمل هذا الاعتقال خديجة الحربي، وهي كادر ثقافي سعودي، وزوجها ثمر المرزوقي، وله مكانة أدبية لا سياسية، ضمن هذه المجموعة في الإقليم التي تتفق مع نظام الرياض في استهداف قطر، ولا علاقة لزوجته بالعمل السياسي، وهي حامل في شهرها الأخير، فعلى من يُصعّد النظام؟


في أواخر عام 2022 ستنظم الدوحة كأس العالم، والتي فشلت كل المحاولات لسحبها منها، بغضّ النظر عن تقييم علاقة مشروع أبوظبي بمونديال الدوحة، غير أن هذه المناسبة التي ستتزامن مع إعداد خطة إعلامية وحقوقية تبعثها قطر، لترويج قضيتها في الحصار، سوف تضغط إعلامياً على الحكم السعودي، ومع تضخّم حركة القمع وشموله كل الشرائح والاتجاهات، واستمرار حركة التدفق السعودي لجوءًا إلى الخارج، لن يلتفّ الضغط على قطر، خصوصاً لو دفعت ملف الاجتياح القبلي المسلح إلى المحكمة الدولية، فمن هو الطرف الذي سيخنقه نموذج كوبا؟

العربي الجديد