مكتب دراسات الشرق الاسلامي

حِراك الجزائر وتحرّك خصومه

حِراك الجزائر وتحرّك خصومه

مهنا الحبيل

2/4/2019

تُبرز المادة السابعة من الدستور الجزائري اليوم أفقا سياسيا مهما للنجاح المؤمل للانتفاضة الشعبية التي لا ينقصها أي إعجاب أو تقدير لروحها الحضارية الملهمة التي تعطي عدة رسائل عن ثقافة الإنسان العربي ومبادئه، لم تقدّمها السترة الصفراء، وهذه المرة بالنموذج الجزائري الذي ينجز مسيرته بأخلاقيةٍ وتضامنٍ وطنيٍّ وروح مدنية، بانتماء عربي يتّحد مع أشقائه الأمازيغ، والمفهوم الإسلامي القيمي المشترك الذي ظل سائداً في وجدان الجزائر.

وهنا نجاحٌ مركزي، نتمنّى أن يستمر، بألا تطرح نهائيا منظومة أيديولوجية للشعب الجزائري، وألا يبرز أي فريقٍ بمسمّى إسلامي ولا علماني، كون هذا الاستقطاب هو أحد أهم عناصر هدم المشروع النهضوي لصالح الشعوب العربية، في الخطة نفسها التي تنفذها الدولة العميقة في كل وطن عربي.

وهنا المدخل المهم للمقال الذي يؤكد، ابتداءً، أن من الطبيعي، بل من الواجب، التأني، في تناول مستقبل الانتفاضة الثانية للوطن العربي التي برزت في بعض مناطقه، وهل ستُشكل ربيعاً ثانياً أم لا، فهناك أرضية لذلك، وهي استنساخ قهر الإنسان العربي، وبقاء مسببات انطلاقة الانتفاضة الأولى من تونس إلى اليمن.


وهنا السؤال الصريح الواجب طرحه، والتأمل فيه بعمق: هل الآمال العربية يجب أن تُرهن بسيناريو واحد، وتفويج واحد، خصوصا في ظل تأثير الزخم الشعبي العربي الذي لا يخلو من قوة توظيف، لأطرافٍ سياسيةٍ خارجيةٍ متعدّدة؟

والخطورة هنا أن هذا التفويج العاطفي يُستخدم في اتجاهاتٍ متعاكسةٍ للدول القلقة التي تسعى إلى اختراق أي حراكٍ شعبي، نحو النهضة والدولة المدنية المستقلة.


شخصيا، أتعامل بحذر مع أي رأي أطرحه في هذا السياق، بعد التجربة المرّة للربيع العربي، وهنا قضية مهمة أيضاً، وهو الوقوف عند حجم الخسائر التي يستنزفها الشعب، في أي قُطرٍ عربي، وكيف أن المسرح العربي والدولي والإقليمي لا يُبالي مطلقاً بمستوى النزيف والتضحيات التي يقدمها هذا الشعب.

وهنا نلمس اتجاهين سلبيين، في تناول تقدير الحراك الشعبي:
الأول هو تفويج عاطفي، يُحيل مسرح الانتفاضة إلى زخمٍ من المشاعر التي لا تتوقف عند الرصد المتأني، وفهم محاولات التوجيه أو الاختراقات التي يعتمد بعضها على توريط أي حراكٍ في تصعيد عدمي، لا سقف ولا آلية له مطلقا، تملكها القوى المدنية الحرة. وعليه، فإن الإشارة إلى التخوين والتخاذل سهلة جداً، لكن الأصعب إدراك خطورة الدفع إلى حرق المراحل، وتوقيت زمن الاصطدام الذي حدده خصوم الشعب. وهنا في حالة الجزائر، لم يحن بعد فهم كامل خطة الخصوم التي يعدّون لها، ولم ينضج مشهد التدخل المركزي.


الثاني هو رفض أي حراك، بسبب الخسائر السابقة للانتفاضات العربية، أو دفع الحراك إلى قبول تنازلاتٍ، تنتهي إلى إعادة صناعة النظام بالمفهوم نفسه، ومن داخل الهيكل العميق، وبالتالي تتم عملية الاحتواء، ويعود الناس إلى المستبد الذي سيتقدم بنموذج تجديد وهمي، ثم يُخرج قبضته الأمنية.
ومؤكّدٌ أن قيادات الحراك الجزائري ونخبه تتابع هذا الأمر وتستشعره، خصوصا أن لديها ثلاث تجارب مرة:

الأولى عودة فرنسا إلى الجزائر بعد الاستقلال، وحرصها على عدم تمكين الشعب، من قراره المستقل في 1992، عبر طاقم مصالح محلي، ثم العشرية السوداء، ثم العهد الأخير، ولا يُعمم التقييم على كل الرسميين، فموقف الرئيس في حينه، الشاذلي بن جديد، يحتاج أن يُدرس ويفهم باستقلال، مع فهم أين أخطأت جبهة الإنقاذ حساباتها، في ذروة صعود المد الوهابي.


وهنا يُطرح العنوان من جديد، مفهوم سيادة الشعب في المادة السابعة، هذا المبدأ عظيم، السؤال كيف يتحقق، وهل من الممكن الوصول إلى سيادة الشعب، في مرحلةٍ واحدة، حتى لو كان ذلك ضمن وضع الانتفاضة في وجه فوهة المدفع، وهل ما تطرحه الشخصيات العربية التي فشلت في توجيهها إلى الشعوب العربية، من داخل أوطانها أو خارجها، هو الحل؟

ويُقصد بذلك التحالف العاطفي الشعبوي الذي يهتف بالجزائريين، ويقول لهم إن لا مشكلة في أي اندفاع للمواجهة، حتى لو كان المصير كمصر أو سورية، لأن هذا الأمر ضريبة ضرورية للثورات، وهذا تضليل مخادع، فيجب التأكيد على أن ضريبة الكفاح تختلف خسائرها بين الزج العدمي والتنظيم النضالي.


واجب أي حراك أن يعرف كيف يُحقق أكبر قدرٍ من طموح الشعب، بأقل قدرٍ من الخسائر، وأن أمام فكرة التقدم النهضوي للدولة العربية المعاصرة تجارب متعددة، لا تربطها قسراً بتحمّل تبعات التجربة السورية التي تم التلاعب بها مخابراتياً عربياً وإقليمياً ودوليا، ولا وضعها في إطار التجربة المصرية، وهناك دلائل جميلة ومهمة لحراك الجزائر، ولكن من المهم اليوم، كوجهة نظر، أن توضع هذه القواعد الأساسية أمامهم:
غياب ممثلين معروفين للحراك أخطر من إعلانهم، وإن تسبب ذلك في بعض المهدّدات لهم، وتقوم عملية الانتخاب، عبر الأكثر تمثيلا ووعيا وقدرة في فكره وذكائه السياسي، لا في خطابه العاطفي، ومن يجمع بين الاثنين فهو الأفضل، خصوصا إذا أعلنت شخصية توافقية في موقع الأمانة العامة.

ضرورة تفريغ باحثين لأمن الحراك، تتوارى عن المشهد، وتخصص كل وقتها، لرصد الخطط التي تعد لاستيعاب الحراك وإسقاطه، بين داخل الجزائر وخارجه، وكيف تُستخدم الحرب الداخلية في جسم الانتفاضة، وتفريقها الى مجموعات.

وضع تصور مرحلي، ليس في الخطاب المعلن والصراع السياسي، مع الدولة العميقة، وإنما في استراتيجية الحراك الوطني، وما هو الحد الأدنى الذي يضمن سلامة الحراك والشعب، ويحقق توازنا للردع، يُقبل به في أي مرحلة مقبلة، تُهيئ لبقاء مسيرة الحراك للوصول إلى سيادة الشعب.


وختاما، هناك فرق بين الدولة والنخب الحاكمة. وهنا البحث عن الشركاء الجادين في مفاصل الدولة، ولو مصلحياً، ضرورة قصوى، فالهدف بعث نهضة الجزائر، لا إسقاطها.

العربي الجديد