مكتب دراسات الشرق الاسلامي

مسلمو الغرب والإسلامفوبيا.. البناء الذاتي والتحدي الحقوقي

“مقال بحثي كمقدمة للحوار”

مهنا الحبيل

مدخل:
نحتاج مقدمة مهمة لهذا المبحث، وهي أن معادلة الحقوق المدنية التي أنجزها الغرب، بعد مساحة كفاح مدني، مع السلطة السياسية، للعهود القيصرية والملكية المطلقة، ودور الكنيسة وخطابها الديني في قمع الحقوق الفردية، والفكر الفلسفي والعلمي، تحوّلت إلى مواد دستورية فاعلة اليوم، في مشروع الدولة الحديثة.


استفاد من هذه المواد اللاجئون من العالم الجنوبي، ومن بلدان الشرق المسلم المتعدّدة، وحظيت أعداد كبيرة منهم بحق اللجوء والمواطنة، تحت أجواء حقوقية وشفافية، ضمنتها تلك المواد، وقد تحوّلوا اليوم إلى جزءٍ من النسيج الوطني، والشرائح الاجتماعية للدول الغربية. وبالتالي هذا الدور في التقدّم المدني لا يُنكر فضله، وإن بقي مسار التفاضل والتقييم السياسي والفلسفي حقا قائما لا يجوز أن يُسقط.


غياب الاستقلال..عدم الانصاف المعرفي:

منتجات الدولة الغربية، لصالح السلام العالمي، بمعناه الحقيقي لكل أهل الأرض، وخصوصا عالم الجنوب الذي تعرّض، في ظل العهود الاشتراكية والليبرالية الحديثة للغرب، والرأسمالية الأميركية، لعزل تصنيفي وقهر سياسي وهيمنة اقتصادية، تحوّلت إلى توحش في دعم انقلابات أو استبداد، أو حتى حروبٍ موجّهة داخل ذلك العالم المُصنّف بالجنوبي.

ولا يُمكن أبداً أن يُقرّ الانتخاب العرقي، أو الجغرافيا البشرية للشمال، مرجعا مطلقا للفلسفة الاجتماعية وتاريخ الأمم والشعوب، وأن تُطرح قضايا النقد والتقييم في ظل هذه القواعد، بل بتحرير الأزمة الإنسانية، وتأثير إرث كل أمةٍ وخطابها الديني أو الاجتماعي أو القومي، على ذاتها وعلى محيطها.

ومن الضروري فهم الفرق بين المصدر الفلسفي والتجربة البشرية، وتاريخ التسلسل المعرفي والحضاري للإنسانية. هنا نحكم أو نفترض أين تفوقت مسارات التقدّم، والأمن الاجتماعي بما فيه السعادة الأسرية والكرامة الفردية، وهذا الحوار المنصف لم تصنع له منصّة مستقلة كافية أبداً، ولم يمنح مساحةً في حوار الأمم ومنصّته الدولية، ولا حوار الشعوب في ظل سقوط تكافؤ الفرص، بين حكومات منتخبة في الغرب وشعوب مقهورة في الشرق.

ويحتاج تقييم عطاء التجربة المدنية، للدولة الغربية الحديثة إلى رؤيةٍ تفكيكيةٍ، لا مجرد بروباغندا إعلامية، تُزكّي الغرب بالمطلق، وإن ثبتت نجاحاته المعرفية والدستورية، ولكن أين الواقع وأين هو المستقبل الذي نرصد فيه دلائل تمكّن العدالة الاجتماعية وتطورها، وشمولها كل الأعراق والطبقات الاقتصادية التي ضمتها الدولة الغربية الحديثة، وكيف نفهم قضايا الصراع التي تتفجر حديثاً، وصعود موجات القهر المعيشي في طبقات واسعة، وعودة مشاعر الانفصال، وأزمة الحفاظ على مستقبل ثابت للاتحاد الأوروبي، وكيف نفهم تمكّن ماكينة المال والرأسمالية، من الاتحاد في أميركا، مع المفهوم الكنسي المسيحي للعرق الأبيض، وفوزها عبر ترامب وفريقه، في تولي زعامة أكبر عاصمة عالمية قيادية للغرب، من دون أن يتمكّن فكر العدالة الاجتماعية، على الرغم من كفاح مارتن لوثر كينغ من منعه أو منع نفوذه، وتوحّشه الشرس على الشعوب التي لجأت للولايات المتحدة الأميركية في عهود سابقة.

لذا كل الملفات أعلاه، لا يُمكن تجاوزها في الحوار الإنساني المجرد، لمجرّد أن الشرق يعيش تحت أنظمةٍ قهريةٍ مستبدة. وعليه، لا يُقبل رأي أي منصة شرقية أو فكرية يسارية مستقلة، عن التوظيف أو التعبئة الجنسانية المتطرّفة، التي انخرطت فيها قوى يسارية، وأصبحت أحد مصادر الضغط والقهر لمسلمي الغرب، بدلاً من معيار الحقوق والعدالة الاجتماعية.

مسلمو الغرب وطرفا التطرّف:
تصاعدت الإشكاليات الحقوقية لدول المهجر الغربي، ومواطنيه المسلمين، في الآونة الأخيرة، مع صعود اليمين المتطرّف، بشقيه، العنف الفكري ضد المسلمين أو التوظيف السياسي لخطاب العنف الفكري، في المجتمعات الغربية ضد المسلمين كمسلمين “إسلاموفوبيا “
اليمين العنصري، يتلاعب بتوظيف الفكرة الدينية، التي لا تصدر حقيقةً من مؤسسات كنسية، بقدر ما تغذّيها آلة التطرف العنصري، وإن وجدت مشاريع تبشيرية ضخمة، ترى في النيْل من الإسلام كفكرة، ومن محاصرة وجوده في الأرض الغربية بعداً دينياً، غير أنّ محرّكي اللعبة هم ساسة أكثر منهم رجال دين.
مع صعود للجنسانية المتطرّفة (التيار الثقافي المناهض لقيم الأسرة، والداعي إلى القسوة الشعورية ضد الأبوين، ورفض علاقة التكامل العاطفي والوجداني بين الجنسين، بناء على فكرة الصراع الأصلية للتيار، بين الرجل والمرأة بغض النظر عن أي دين أو مذهب أخلاقي) المعتمدة على فكرة الإلحاد،والتي تستهدف المسلمين حصريا بهجوم مركزي اجتماعي.
والملاحظ أن التيارين لم يعودا يقفان عند قناعة المواطنين الغربيين من المسلمين، باحترام توجهات وعقائد كل مجتمع وكل فرد، والالتزام القانوني والشراكة الدستورية والتعاضدية، لكل مجتمع مدني في الغرب. فهذا الأصل الإنساني، توسعت القناعة به، وهناك حرصٌ، وإن ضعفت الأدوات وبعض العوائق التي استقدمت من الشرق، في تقليل سرعة النشر الثقافي له في أوساط المسلمين، أي أن خطاب المسلمين الغربيين اليوم أننا مواطنون غربيون نحتكم للدستور، ونحافظ على هويتنا الإسلامية بموجب مواده، واختلافنا مع أي تيار أو دين لا يمنع من التواصل والتضامن لصالح وطننا الجديد.

التحالف لإسقاط توازن المواطنة:

على الرغم من خلاف تياري هذا التحالف، إلا أنه يتحد في حصار مسلمي الغرب، وهذه إشكالية ثقافية مدنية، وسياسية فلسفية، فالأصل في تعزيز ثقافة المجتمع المدني أن يتمتع الجميع بهذه الروح، من الاحترام والتضامن لتحقيق مستقبل أفضل، لوطنهم ولعلاقات أجيالهم.
وهنا خطورة السلوك الضاغط، لقهر المسلمين للتخلي الضمني عن إسلامهم، وتجريم قيم الشرق في الأسرة والطفولة، القيم التي تقوم على المودة والتراحم، من دون أن تحرم أي إنسان، رجلاً أو امرأة، ومن دون أن تبرّر لأي سلوكيات قهرية، تمارسها ثقافة مَرَضية دينية أو اجتماعية من الشرق على المرأة، لكنها لا تسقط الحياة الإيجابية التي تعزّز الود الأسري، والعقل المستقل المتنور لشباب المسلمين.

رفض هذا التوازن المدني الدستوري لمواطنة المسلمين في الغرب، والعمل على مشاريع ترغمهم دون غيرهم، وإن لم تعلن رسمياً، على الإقرار القهري بتخلف (إسلامهم) كإسلام مطلق، وليس انحرافات وعّاظ، وإشعارهم بدونيتهم الأصلية باعتبارهم منتمين للشرق المسلم، تُشكّل أزمة سياسية عميقة، تمنع اندماج المسلمين في الحياة الدستورية المدنية.
فهل هي مقدمة لعزل المسلمين في أبارتايد اجتماعي؟ وما هو الطريق المدني المتاح للكفاح أمام هذا الفكر العنصري؟

إرهاب نيوزيلندا:
مذبحةٌ في مسجدين في نيوزيلندا. كان الخبر صاعقاً لحجم التوحش الإرهابي الذي شاهده العالم، تجاه المسلمين في الغرب، الذين يواجهون اليوم تطوراً كبيراً في زحف الإسلاموفوبيا المتطرّفة، التي هي أصل القاعدة لكل تشددٍ يتعرّضون له، والتي نَفذت بنجاح عملية عزل ثقافي قسري على مواطني الغرب المسلمين، بعد استهداف إعلامي وسياسي واجتماعي، ثم وصلنا اليوم إلى تطوّر في آلية القتل، لتنفيذ مذابح جماعية لأطفالهم ونسائهم ورجالهم، في قلب مسجدٍ للتعبد الروحي.

التطرّف.. عقيدة فكرية:

يأخذنا الوقوف مع بيان الإرهابي المنفذ، وبعض التفاصيل، إلى مسارٍ مهم، لم تتوسع فيه الثقافة العربية، وإن سُلّط عليه الضوء من خطاب إسلامي عاطفي، لكن حجم التفويج فيه، وخطاب ردة الفعل، حجب التحليل السياسي لجذور التطرّف المتشددة في الغرب، وهو هنا يُشير إلى مسألةٍ مهمة للغاية، بأن حالات التطرّف التي مثلتها “داعش” وغيرها، خضعت لدراساتٍ غربيةٍ عميقة، شملت بنية التاريخ والواقع الاجتماعي لكل الوطن العربي.
أما في حالة الضحية العربية والمسلمة، فلم تتم هذه المراجعة البحثية، واعتبرت الحوادث الإرهابية التي ذهب فيها المئات من الضحايا المسلمين من مواطني الأوطان الغربية أو المقيمين فيها، بأنها حالاتٌ عشوائيةٌ لا يمكن القياس عليها، على الرغم من أنها تشير إلى تتابع مضطرد.

وكان هذا التجاهل الذي شاركت فيه أنظمة الاستبداد العربي، والحكومات الغربية ذاتها، يجد صدىً لدى بعض المثقفين العرب، بحكم أن الدولة المدنية في الغرب، والتي حققت نموذجاً متقدّماً للحقوق الدستورية والحريات، لا يُقاس بما تفعله سياساتها في العالم الجنوبي، وإدارتها الحروب أو التدخل، لضمان تدفق مصالحها على الحالة الوطنية في بلدانها، فبالتالي هذه حالاتٌ فرديةٌ، لا ثقافة متطرّفة أو إرهابية، إنما سلوكٌ حادٌّ، حتى لو ذهب ضحاياها المئات، وهكذا كانت توارى الصفحات، ويُتجاهل المشهد، ثم تعود دورة جديدة أعنف للإسلاموفوبيا، وهي دورةٌ إعلامية وسياسية قبل الفعل الإرهابي، حدّدنا مسار التغذية لها سابقاً في جناحي التطرّف الغربي.
الاعتراف بالظاهرة..للحد منها:
لماذا نعود إلى هذه المنهجية الغربية المتفاعلة اليوم، أمام ضحايا العمل الإرهابي؟ لأنه عبر التأصيل البحثي المجسّي، يتضح لنا كيف أن هذه الثقافة تتصاعد في الدول الغربية، عبر ماكينة الإسلاموفوبيا، وأن الاحتواء العاطفي الموسمي ينتهي، بعد كل حادثة، وتعود الدورة لتمنع أي تشريعات، أو منظومات أخلاقية، تحمي المسلمين باعتبارهم مواطنين دستوريين أو مقيمين، ويتم التواطؤ من جديد، وما لم تواجه هذه الآلية، فلن تتوقف ظاهرة الأبارتايد.
ثنائية مهمة:
/ عند الوقوف على تحديد هذا المسار، نُشير إلى لعبةٍ سياسيةٍ تستغل بها أحزاب عديدة هذه المواسم، لضمان الحفاظ على كتلة أصواتها من المسلمين، ثم تخدعهم، وتُلقي بهم تحت أقدام الإسلاموفوبيا. ومع الأسف، أن بعض من يساعد اللعبة السياسية القذرة في الغرب هم من الفعاليات الإسلامية.
ربط التسامح والتعاضد المدني الاجتماعي، والشراكة مع المجتمعات المدنية في الغرب، التي تقف موقفاً جميلاً ومنصفاً من الجرائم التي يتعرّض لها المسلمون، لا علاقة له بالموقف من الحزب أو القوة السياسية أو المؤسسة الإعلامية أو الثقافية المنحازة والمحرّضة أو المسهّلة لاستهداف المسلمين، هذه من أهم الحقائق التي يحتاج أن يعيَها مسلمو الغرب، فكونك مواطناً حضارياً أخلاقياً، شريكاً في هذا المجتمع، لا يعني أنك تتساهل مع السياسي، والإعلام المحرّض على حريتك وعلى سلامتك وسلامة أطفالك.

/ هنا يبرز لنا المدخل الأهم، وهو إشكالية تخلف المجتمع المدني لمسلمي الغرب، عن التقدّم المطلوب والمباشر، لتحقيق معادلة قوتهم المدنية. وزادت من هذه الإشكالية، عودة بعض الخطاب المسلم في الغرب إلى التجاوب مع حديث البروباغندا المحتقن في الشرق، وتحويل معركتهم ضمن طاقة الحرق الإعلامي الفاشل الذي لا يُساهم أبداً في حماية مستقبل المسلمين في الغرب، ولا يُشكّل أي رافعة لأزمات الشرق.

وعدم وعي أن عزل أزمات الشرق لا يعني افتراق الوجدان الأممي، وإنما ترك مواطني الغرب المسلمين، لصناعة قوتهم الحقوقية، ومستقبل أجيالهم، بدلاً من تعريضهم لتوظيفٍ قذر من قوى الإسلاموفوبيا التي تربطهم بتركيا.
ولذلك يجب التنبيه إلى أن محاولة بعضهم ربط مسلمي الغرب كرعايا للرئيس التركي أردوغان أو العثمانية الجديدة أمر خطير وسلبي، سيضر بمواطني الغرب المسلمين، ويفتح عليهم إشكالات كبرى، بغض النظر عن حق الموقف الشخصي لكل فرد منهم، أو عن انحياز الغرب ضد تركيا.

أما البعد الثاني، فهو تجميع كل قدراتٍ ممكنة في الغرب، قُطرياً أو وفق تنسيقاتٍ تجمعهم في كونغرس عام، كون أن الإسلاموفوبيا ظاهرة كراهية شاملة، تعيشها كل الدول الغربية، تمكّنت كلياً من أستراليا، وتتصاعد حتى في كندا. هذا التجمع يحتاج اليوم لصناعة أرضية الحقوق والدفاع المدنية، التي تهدم أسوار الأبارتايد، عبر صناعة خطاب وتنشئة أجيال تحمل مشروع المواطنة، وذات قناعة برسالة الإسلام الأخلاقية والفكرية لتنوير البشرية، ومن ثم تتحوّل قناعتهم لقوة تؤثر سياسياً واجتماعياً، مع التركيز على التعاون المدني مع كل أطياف الغرب الإيجابية، لا إحراق قضيتهم في اللعبة السياسية التي تسدّد من حقوقهم ودمائهم.