مكتب دراسات الشرق الاسلامي

محاضرة لندن: مع النبي

محاضرة لندن: مع النبي

“قراءة ثقافية معاصرة للسيرة النبوية”

خلاصة فكرية من المحاضرة

بتنظيم من مركز حراء الإسلامي في العاصمة البريطانية – لندن ، إلتقى الباحث العربي المستقل/أ. مهنا الحبيل
بجمهور المركز يوم 9/3/2019 في حديث فكري، دار لُبه عن ضرورة اليوم لتجديد الخطاب الديني في ظل التحديات التي يشهدها العالم.


في مدخله الترحيبي بالحضور،الذي يغلب عليه أبناء الجزائر، استذكر أ. الحبيل سهمها الكبير من رواد النهضة والفكر الأوائل، الذين تعمّقوا في فهم رسالة الإسلام، فجاء عطاؤهم مختلفًا، كالمفكر مالك بن نبي، والقائد المناضل عبد القادر الجزائري.


يقول أ. الحبيل:
أن حركة الإصلاح في الأمة سجّلت حضورًا قديمًا، وكان تأسيسها على الوعي والتنوير الإسلامي علامة فارقة، لو لم يُقطع الطريق عليها، بارتفاع صوت الوعظ الفقهي وسيطرته بالدعم السياسي، الامر الذي له أثره كأحد أزمات هذه الأمة وتخلفها الحضاري.

خصوصية لندن:
في زيارته السابقة،كان قد أشار ا.الحبيل بالوضع المختلف الذي تشهده في لندن، خاصة بالمقارنة مع مهجره الكندي، من ناحية التفاعل مع الفكر الإسلامي، واستيعاب مايدعو إليه الباحث في المجال، من جانب بعض الباحثين الغربيين، وفي حيوية الوجود المسلم والعربي فيها.
وجدد هذه الإشارة في هذا اللقاء، والتي يرى أنها بسبب الإرث الاستعماري لحاضرة “الإمبراطورية التي لاتغيب عنها الشمس” ،مع الشرق المسلم، وكيف لهذا الإرث في شقه الإيجابي من حيث الاشتباك الحضاري، توطيد هذه الصِّلة في جانبها المعرفي الإنساني، والذي هو من المشتركات الواجب الإستفادة منها، حيث أنها إرثٌ جامع تراكمي، لكل حضارة حصتها فيه من العطاء، وحقها فيه من الفائدة.

جولة في المتحف البريطاني:
يقرأ أ. الحبيل بعض انطباعاته من زيارة للمتحف البريطاني، بعين الباحث:
أولًا يشيد بالمتحف والزخم فيه لسجل الحضارة الإنسانية، وترتيبها التسلسلي بصورة فنية ثقافية،
ثم يسجل إشارة سلبية في عدم وجود موقف واضح فيه لِحقّ الشعوب في مقتنياتها، والاعتراف بالطريقة التي نُقلت بها بعضها إلى لندن، من ناحية أخلاقية، كون هذا الجدل إنساني حضاري محض، ومن حق الباحث السؤال.
في المتحف عرض متسلسل وتاريخي لحضارات العالم، وخرائط أقاليمه، إبتداء من روما وأثينا، وإنتقالًا عبر العهود المتعددة، ثمّ مباشرة لعهد التنوير الأوروبي، مرورًا بكل الأفكار التي شكّلت التأريخ الإنساني، بما في ذلك الحضارات القديمة في جغرافيا العالم الإسلامي كالفرعونية والآشورية
لكن يتسآل أ. الحبيل: هناك مرحلة فراغ كبيرة، سقطت من سجل المتحف، أين الحضارة الإسلامية؟
ويجيب على الاعتراض بعلمانية الفكرة لدى المتحف، بكيف نفهم إشارته للتنوير الذي لحق بمواطن الأساطير والخرافة في جزر سليمان مثلًا بأنه بسبب وصول التبشير المسيحي لها!
فهل سقطت سهوًا؟
إن فكرة المتحف ذكية في انتصارها للحضارة الغربية، بالانتقال الذي يتم تصويره بعهد الأنوار الأوروبي من القديم إلى الحديث في1740، وكيف اجتهد النبلاء في جمع رسائل الحضارات ليصنعوا حداثتهم،وهنا يشيد أ. الحبيل بما وصلت إليه المدنية الغربية من تقدّم في رسائلها الحقوقية، واحترام العلوم وتطورها.
لكن مابالهم غفلوا عن الحدث في 622م “هجرة النبي صلى عليه وسلم” ذلك البعث الذي بدّل من حالٍ إلى حال، حين عبر على جغرافية العالم الإسلامي أولًا وقبل وصول أثره لإمتدادات أخرى؟
وما الذي حملته أمة العرب بعد إسلامها للعالم، وهل هناك تبرير علمي لإسقاط المتحف، هذه الحقبة من تأريخ الإنسانية؟

سيغرد هونكه ونظرتها المُنصفة:
إن الغرب انتقل إلى التنوير الحديث، بعهودٍ متعددة ساهمت فيها الرسالة الإسلامية بصورة مباشرة،
وقد فصّلت المستشرقة الألمانية د. سيغرد هونكه في كتابها الشهير “شمس الله تشرق على الغرب:أثر الحضارة العربية في أوروبا”
تاريخ العرب وتأثير ثقافتهم،وحضارتهم ،وعلمائهم واختراعاتهم على الحضارة الغربية، ودعت فيه مواطنيها إلى منح العرب حقهم من التكريم بما قدمته حضارتهم، وشكرهم على فضلهم الذي حُرموا من سماعه!
يشير أ.الحبيل إلى أن التعريج على هذا الكتاب بعيدًا عن فكرة البروباغاندا، وإنما المطالبة بالحق في الإنصاف، حتى يعرف العالم حجم الخطاب الفكري الذي جعل من العرب أمة ذات رسالة حضارية،تحملها وتؤثر بها ،وكيف لهذه الحضارة من دور في تطور الطب والصحة، والثقافة والسلوك، والفكرة حول الإنسان-كرامته وحقوقه،
وكيف احتضنت تنوعها العرقي والجغرافي، العادات المتباينة والطبائع المختلفة، دون نفور ولا نزاعات
فكيف يُسقط كل هذا من تاريخ الحضارات في المتحف البريطاني؟

وأين المعيارية الأخلاقية المعرفية؟

أثر الحضارة الإسلامية:
يقاس أثر الحضارة عادةً من جانبين:
الجانب العلمي المادي، والجانب الحقوقي الإنساني
ودرج المنصفون للحضارة الإسلامية تناول أثرها الإيجابي من الناحية الأولى، فيما وصمت غالبًا بعدم حقوقيتها، وهنا اجحاف كبير، لان هذا القياس يتمّ في عصورٍ من تاريخ المسلمين، انحرفت عن أصل البعث والرسالة الأولى.
يقول أ.الحبيل: هناك شواهد معاصرة يُغفل عنها لإمتداد أثر البعث الإسلامي، ومن الشواهد مثلًا وعي مالكوم إكس بفلسفة الفكرة الإسلامية في تكريم الإنسان، وحقوقه، والانتصار للأقليات، وكيف استثمر هذا التنوير الإسلامي الذي أدرك حقيقته في رسالته النضالية للتحرر من سيطرة الرجل الأبيض.
هذا التنوير في قيمة الفرد والتحرر من عبودية الأشخاص، والنهوض من سيطرة الأساطير والخرافة، وتقديس الجنس، والتي كانت حاضرة في حضارات العالم وبشهادة المتحف البريطاني التوثيقية.
وكيف جاءت رسالة الإسلام بعثًا تنويرًا لإرساء قواعد الإنسانية الأخلاقية والحقوقية، والانتصار للمستضعفين والفقراء، دون غمط الأغنياء حقهم ولكن لا تدع لهم فرصة التحكم والاحتكار.
وكيف حملت هذه الحضارة حتى في عهودها المظلمة من حكم الاستبداد، رسالة العلم والمعرفة والتطور المادي.

عودة لضرورة التجديد:
بالنظر اليوم للتحدي الذي يواجه المسلمين يرى ا.الحبيل ان الأزمة تنقسم إلى شقين:
_ مهاجمة الإسلام من بعض المنصات الغربية القوية في أثرها، والتي لها مساحة كبيرة من الأدلة المترسّخة بفعل اختطاف الخطاب الإسلامي وتزويره عن أصله، مما يسبب حيرة الشاب المسلم واختلاط فكره، وهو الذي غاب عنه في الأصل حقيقة إسلامه.

_ الشق الآخر هو حجم عجز الاعتناء بنوعية الخطاب الفكري، والاغفال عن تأسيس منظومة قيمية متسقة، حتى تفهم الأجيال حقيقة إنسانية رسالتها، التي تفوقت حقوقيًا على المدنيات والحضارات بمنظورها الواسع للمساواة بين الخلق، وميثاق الحرية الكبير الذي يبعثه التوحيد والافراد لله بالعبادة، ونصرة المستضعفين وإقامة العدل، وملف آخر له خصوصية في الراهن المعاصر بعد صعود خطاب التطرّف الغربي، وهو تحرير المرأة والتعامل مع قضاياها،والتي هي كانت شريكة في النبوة والوحي، فكيف لا تكون شريكة في مسارات الحياة، مع جوانب فلسفة الإسلام المشرقة بالدفاع عن سلم المجتمعات، بالدفاع عن الطفولة وحقوقها في الاحتضان الأُسَري ، وميثاق الاستقرار بفطرية العلاقة بين شريكي الإنسانية، والتي اليوم يتعزز هدمها بتزوير الخطاب الإسلامي في عهود ارتفاع الوعظ والفقه “التلمودي”.

ختامًا أخلاقيًّا:
مع النبي، كان العنوان وبه الختام
يستذكر أ.الحبيل يوم الهجرة، وكيف أوكل عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، بردّ الأمانات التي كانت في عهدته لأهلها، وهو يعلم بالوحي أنهم على بابه يتربصون لقتله!
متسائلًا مَن مِن المسلمين اليوم يُسمى بين غير المسلمين، بالصادق الأمين؟
وهنا بالتوقف مع رسالته صلى الله عليه وسلم، التي غابت عن فهم الكثيرين، دعوة لتعزيز الخطاب الأخلاقي في جانب السلوك المدني وترسيخ القيم، حتى تكتمل رسالة التجديد، وعدل الحديث باسم الإسلام، وعكس أصل فكرته.

الخنساء
مكتب دراسات الشرق

رابط المحاضرة على يوتيوب