مكتب دراسات الشرق الاسلامي

المغرب والصحراء الغربية..رؤية عربية

المغرب والصحراء الغربية.. رؤية عربية

مهنا الحبيل

22/2/2019

أعادت الأزمة الأخيرة بين الرياض والرباط، قضية الصحراء الغربية وإشكالية توظيفها، والتي تأتي تأكيداً على حجم الاضطراب في السياسة الخارجية السعودية، التي لم تقف عند قطر، ولكن تتالت مواجهاتها حتى داخل النادي العربي الأمريكي، ويُقصد به الحلفاء الأقرب للولايات المتحدة الأمريكية في الدول العربية، التي تجمع الأردن والمغرب ومصر والعراق مع الدول الخليجية.

  فتحرش الرياض مؤخراً بالرباط، وبسياسة الملك محمد السادس، جاء الرد عليه مفاجئاً للغة الاستعلائية التي تتعاطها الرياض، مع بقية الدول في إطار قوّتها الاقتصادية وتوظيفها للمساعدات، وهو ملف له جذور سلبية، في العلاقات الخليجية العربية، حيث لم تُحقق سلة المساهمات، مشروع متكامل لصالح الشعوب العربية بعيداً عن المواقف السياسية، وقد كان من صالح البنية الاستراتيجية للعرب، أن تكون هذه المساهمات ضمن مشروع قومي، يؤسس لحقيبة مشاريع غذائية وصناعية، تساعد الواقع المعيشي العربي محدود الدخل.

  وفشل هذه المساهمات لتحويلها لصالح صندوق الشعوب، لا سياسات الدول، جعل هذه العلاقات ملتبسة، تخضع لمواسم التوافق أو الاختلاف الحكومي، لكن خطأ الرياض هذه المرة كان فادحاً، وإن كانت تعيش أزمة مستترة مع الأردن أيضاً، وحتى مع السلطة الفلسطينية، في ظل الاندفاع المتهور، نحو مشروع إدارة ترامب وتل أبيب، الذي يسعى لتعزيز مسار تصفية القضية الفلسطينية، وسحب ملفها الدولي، بأسرع وقت.

  إن استخدام قناة العربية، الناطق الأبرز للسياسة السعودية، في ملف الصحراء المغربية، ضد موقف الرباط، جاء على خلفية اعتقاد الرياض، أن عاهل المغرب ذهب بعيداً في عدم الالتزام بالتوجهات السعودية، وأن المخزن في المغرب، والذي يُدير السياسة الخارجية بالكامل، عليه أن يحذر من الاصطدام مع سياسة ولي العهد السعودي، فكان الرد أقوى من تصور الديوان الملكي السعودي، حين أُستُفزّ نظيره المغربي في أبرز الملفات حساسية للرباط.

  يأتي هذا الموقف بعد ذاكرة إيجابية عن الرياض مثّلها موقف الملك فهد في 1988، عبر تنظيم لقاء حواري بين الرئيس الشاذلي بن جديد، والملك الحسن الثاني، كسَر حاجز التوتر الشديد بين العاصمتين، غير أن الأمور عادت لدورات توتر جديدة، آخرها رفض الجزائر غير المفهوم، الدعوة الجديدة في نوفمبر الماضي من العاهل المغربي للحوار، وهو مرتبط أصلاً بقضية الملف الصحراوي، وإن كانت له خلفيات قديمة، منذ موقف الأسرة المغربية المالكة، أبان الاستعمار مع الأمير عبد القادر الجزائري.

  وهي خلافات تُفجّر بين الأقطار العربية في مواسم عدة، ضمن أزمة الفكر التي تُقذف على الشعوب العربية، وتُدخلها في صراعات وخطابات كراهية، تتلاعب بها مصالح سياسية موسمية ضيّقة، وهذا الملف أحد أهم الإشكالات التي منعت وحدّت من تطور الاتحاد المغاربي، بل جمّدته، والذي كان يُرجى منه، المساهمة في تقليل الصراعات القُطرية، وبناء جسم قومي أكبر، ضمن الإطار العربي، يساهم في تقدم دوله ونهضة إنسانه.

  ولذلك فإن تقييم المدخل هنا كفكر عربي مستقل، يتوجه إلى مسارين:

المسار الأول:

الموقف من المواطن العربي في الصحراء الغربية، والذي تُعتمد إرادته الحرة، كون أن النزاع قديم، وهو قطعاً من تركة استعمارية، لكن التعامل مع هذه التركة، يحتاج إلى فقه ومعالجة دقيقة، وأن الصراع بين الأقاليم العربية، والزعامات المحلية، كان أيضاً له دوره السلبي، بسبب غياب الشورى والعدالة عن أقاليم الوطن العربي، في فترات طويلة ساهمت فيها سلطات غربية وعثمانية.

  وبالتالي تُتفهم توجهات أبناء الصحراء، الموالين لفكرة الاندماج مع الملكية المغربية وحدود المغرب السياسية، أو المؤيدون لاستقلال كامل، في إطار موحد لصالح أبناء المنطقة، بضمان أن يكون هذا المستقبل، محققاً لحياة دستورية كريمة لأبناء الصحراء، تصنع لهم عهداً مختلفاً، عن واقع الحياة السياسية للشعوب العربية، وفضاء تنمية وحقوق أكبر، في ذات الوقت الذي تكون لهم رابطة خاصة بالدولة المغربية، وهيكلها القومي.

  والسؤال هنا فهل من سبيل لذلك؟ وإن كان الجواب بالنفي فلماذا يُطرح؟

ليس هدف هذا المقال،المشاركة في الجدل الثقافي والسياسي، عن انتماء المجتمع الصحراوي، وهل هو أقرب للمغرب أم موريتانيا التي انسحبت منذ زمن، أو الاستقلال، فهذا حوار واسع مزدحم، غير أن المقصد، هو تحديد معالم الموقف الثقافي العربي المستقل، عن توظيفات الصراع، وبالتالي الدفع لما هو أقرب لحل هذه المشكلة، ووقف معانات ذوي الضحايا والنازحين على هامش الصراع، وتعويض هذه المنطقة العربية المهمة، بنموذجٍ للسلام والتعايش والنهضة معاً.

أما المسار الثاني:

 فهو تقدير مخاوف المغرب، واشكالية توظيف الصراع بينه وبين الجزائر، وأن فرضية سلخ الصحراء من جسمه القومي، إضافةً إلى قناعته السيادية بها، هو مشروع مستقبلي لتوظيف هذه الدولة المقترحة للاستقلال ضده، وهي مخاوف مفهومة، خاصة في ظل بعض المواقف المتعلقة بالخلاف الجزائري المغربي.

وواقع المستقبل السياسي للجزائر، الذي تحكمه مجموعة متنفّذة، يدلل على ذلك، بما فيه ترشيح الرئيس عبد العزيز بو تفليقة لولاية جديدة، رغم وضعه الصحي الذي لا تخطئه العين المجردة، وأن جزءًا من صراع الملف، مرتبط بتحريك هذه القوى لهذا التوازن الداخلي والإقليمي، عبر نفوذها على البوليساريو.

  ولذلك فإن الحل الذي نأمل أن يساهم في إغلاق هذه القضية، هو تطوير قبول المغرب، لحق الحكم الذاتي الشامل لأبناء الصحراء، وإضافة تقرير المصير، بعد مدة مطمئنة تبدأ من 25 عاماً، وتُمدد بحسب الحاجة لكلا الطرفين، كما جرى في تجارب عالمية، فالمهم ضمان السلام وايقاف النزاع، وبالتالي فإن نجاح المغرب في دعم هذه التجربة، سيُسجل له لتثبيت الحكم الذاتي.

وفي ذات الوقت يختبر الصحراويون أنفسهم، في واقع سياسي جديد، يفرض عليهم قبول التحدي، وضبط شبكة علاقاتهم بإيجابية مع المغرب، في سبيل نموذج لهونج كونج مغاربية، بهوية عربية، وهل هناك قدرة لهم خلال هذه المدة، بالقيام بحكم مستقل لا تتلاعب به أطراف أخرى، أم أن الحكم الذاتي الشامل، هو الخيار الأنسب لمستقبل أجيالهم، ومستقبل المغرب العربي الكبير.