مكتب دراسات الشرق الاسلامي

خواطر عند أسوار فرانكفورت النازية

خواطر عند أسوار فرانكفورت النازية

مهنا الحبيل

1/1/2019

كانت زيارة فرانكفورت قصيرةً، لكنها دسمة، والفضل، بعد الله، للصديق الألماني السوري، معتصم العمور. وأكدت لي ضرورة المبادرة بالعودة إلى المحطة الألمانية ضمن رحلة بحث “العلاقة الغربية الإسلامية.. الطريق الثالث”

خصوصاً أن ألمانيا من الدول التي تمنح الدخول للجوازات الكندية المؤقتة من دون تأشيرة، والتعامل محترمٌ وسريعٌ في منفذ الجوازات.
أتحدّث عن تجربتي، لحاملي جوازات اللجوء السياسي الكندي، ولكن الأمر يذكّرني أيضاً بعهد المستشارة أنجيلا ميركل، الذي قرّرت ختامَه، وكنت أتابعه، وبدا لي أن هذه السيدة من أفضل العقول الرسمية التي تعاملت مع قضايا الشرق ونكبات العرب في أوروبا.

وكنت طرحت هذا الرأي على الزملاء الأتراك، وأن التصعيد القديم مع حكومة برلين كان خطأً بالغاً، انتبهت له أنقرة، ولكن بعد تأخر.
وإشكالية السياسة أن الفرص والتقديرات التي لا تغتنمها اللحظة تكون عوائدها قد فاتت، وهذا لا يعني أن برلين لا تحمل مواقف تعصب تاريخي وصعود يميني، يستهدف مسلميها ورموزهم الشعائرية على التحديد، وباقة مصالح هي أبرز الدوافع لموقفها، من قضايا العرب والشرق، لكن النسبية للعقول المختلفة في تقديراتها، وتجاوبها السياسي الأكثر عقلاً واعتدالاً، في تقييم الظرف الإنساني، ومصالح العلاقات بين الشرق والغرب، بدل التوتر والحروب السياسية، لميركل سجل مميز فيه.

ركّزت ساعات الزيارة على وسط مدينة فرانكفورت التاريخي ومتحفها الذي تم تجديده، وهي مدينة أُنشئت كلياً بعد هدمها عبر القصف الجوي للحلفاء في الحرب العالمية الثانية، حين كانت قلعة نازية صلبة، فباتت قاعاً صفصفاً، غير أن الإرادة المدنية الألمانية بعد تجربة الحرب المُرّة، أعادت بناء فرانكفورت، بالطراز القديم نفسه الذي يتمسّك بصورته المسيحية وكنائسه.


على الرغم من أن المفهوم المسيحي المتشدّد مثّل نسبةً في صناعة الفكرة المتطرّفة للنازية التي حاربت دولاً مسيحية أخرى، وانتهت إلى حربٍ مدمرةٍ وإبادة بشرية، مجرد المراجعة التاريخية لها تصيب الإنسان بصدمةٍ، كيف مرّ على العالم هذا العهد، وهي الحربُ التي غطّاها متحف فرانكفورت بتركيزٍ ثقافيٍّ وتصويري.


يؤكد الدخول على نقاش الدراسات الحديثة، للتحقيق في عدد ضحايا حرب 1940، هذه الصدمة، ولو أننا اخترنا أقل عدد تقديري للضحايا، وهو عشرة ملايين من البشر، وهو مشكوكٌ فيه، كون أن المصادر الحديثة عادت إلى حصر التقديرات القومية لكل دولة، والتي تصل إلى ما فوق الخمسين مليوناً من النسمة البشرية. لكن وعلى الرغم من ذلك، لنا أن نتصوّر كم هو مفجع هذا الرقم، ولنلاحظ هنا أن نهاية هذه الحرب لم تمض عليها إلا سبعة عقود، ومؤكّدٌ أنها حظيت بدراساتٍ علميةٍ مكثفة، وحفّزت المؤسسات البحثية والعلمية على تأمين السلام الأهلي لأوروبا.


لكننا اليوم نعيد طرح الاهتمام العالمي بقضية التطرّف التي نشأت في العالم الإسلامي، من توجهات غلو دعمها المال السياسي الموالي للغرب، أو وهو الأكثر توسّعاً للتطرّف، ما بعد حروب الولايات المتحدة الأميركية على العراق وأفغانستان، والتي تسعى واشنطن اليوم إلى ختمها سلمياً، خصوصاً بين حركة طالبان والحكومة الأفغانية، لتخفّف من عدد قتلى قواتها المسلحة في أفغانستان والعراق، مع بقاء قاعدة التوازن لتدفق المصالح الأميركية.


وعندما نراجع ما بعد كارثة الحرب العالمية، وهي منتج غربي، سواءً كان بنزعة أيديولوجية أو عنصرية قومية، سنجد أن العالم استيقظ في الشرق على فظائع، شاركت فيها جماعاتٌ محلية دينية، سواءً في أفغانستان أو في العراق، أو في سورية بعد ذلك، لكن الجسم الأكبر تدخلاً هو قرار الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة الأميركية على البلدين، وحرب موسكو على الثورة السورية.

وهذا لا يُسقط مسؤولية توظيف أنظمة الخليج وتركيا لهذه الحرب، لكننا نتحدث عن مجمل المسؤولية، والتي أيضاً ستقف عند عدد شهداء الجزائر، كأرقام كبرى في حروب الإبادة.

ولكن قدرات الآلة الحربية الغربية عند الجيش الفرنسي كانت أقل فتكاً. وقد واجهت باريس تحدياً تاريخياً حضارياً مع الأمير عبد القادر الجزائري الذي تعترف له فرنسا بقيمه الإسلامية العادلة، أميراً عربياً وفقيهاً مالكياً. ومع ذلك، لم ترضخ فرنسا لتلك العهدة الفكرية الإنسانية، ولم تحوّلها إلى صفقة سلام تنسحب بها من الجزائر، بل على العكس عادت إلى مناطق المدنيين الموالين للأمير وأبادتهم، فخرج القائد من وطنه لتأمين شعبه.

أمام هذه المسؤولية التي ظل الإرث، المسيحي الغربي تحديداً، والإمبريالي، مؤثراً فيها، لم يقبل الحوار العالمي، سؤال المسؤولية الفكري الذي يتعمق في المقارنة الموضوعية، لينتج قيماً إنسانية مشتركة. ولم يتوقف هذا التداول ولم يُسمح له أميركياً، عند دراسة كيف تفاهمت الطوائف وتعايشت داخل الحضارة الإسلامية، وظلت المسيحية العربية عنصراً فاعلاً.

نعم عانت من بأس، وعنصريات من الوعاظ، استخدمها الاستبداد السلطاني، أو القومي القُطري، وهو إرثٌ لا تُرجى عودته، ولا يعتزّ به، لكنها لم تتقد بينها حرب، كما لم تشتعل فيها مواجهة سنية شيعية، كما جرى بعد التدخل الأميركي.


قرار متحف فرانكفورت في تعظيم تاريخ ألمانيا القومي، عبر تمثال شخصية شارلمان، وهو يعتمر الصليب والسيف، مفهوم كذاكرة قومية، لكنه يعطي تساؤلاً، عن حساسية هذا المشهد، لو أشير به إلى حالةٍ إسلاميةٍ، صوّرت نموذجها بالسيف والمصحف. وفي كلا الجانبين، أي نموذج استخدم الرمز الديني لحربٍ ظالمة، أو بأس على الأبرياء، لن تسعفه هذه الرمزية بل تدينه.

لكن المشكلة العميقة أن المنظور الغربي الذي يُعمم على العالم اليوم، وتتطوّع له أنظمة عربية، هي أبعد الناس عن تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة والحريات لشعوبها، ثم يتحوّل هذا المعيار إلى مبرّر دعم وقبول لتلك الأنظمة القمعية، بحجة تسامحها مع الغرب، وتبنّيها ترويج مفهومه الذي يدين الفكرة والحضارة الإسلامية، على الرغم من أنها بلدان مسلمة، هو نكبة إنسانية جديدة، حين يُسقَط العقل والعدل في فهم كوراث الزمن.

العربي الجديد