مكتب دراسات الشرق الاسلامي

الخليج العربي ..القبيلة والدولة وغَرقُ الأزمة

 

الخليج العربي ..القبيلة والدولة وغَرقُ الأزمة

 

مهنا الحبيل

 25/9/2018

صعدت قضية توظيف القبيلة في الأزمة الخليجية بصورة غير مسبوقة، كمنعطف تاريخي منذ تحول دول المجلس الخليجي، إلى نشأة الدولة القُطرية، والتي في الأصل كانت تُقدّم أوراقها للأمم المتحدة، والرواق الدولي، وبيانها الثقافي التعليمي لأجيالها بأنها دولة سياسية وسيادية، لا تجمّع عشائر.

وبقي طرح دولة المواطنة الدستورية في مساحة محدودة، لم تكرّس مرجعية دستور المواطنة، بل التبعية للسلطة، كأساس للحصول أو البقاء، على جنسية هذه الدولة أو تلك، وإن كان هناك تفاوت كبير، بين بعض دول الخليج العربي في هذا الملف

ولقد شُوهت صورة القبيلة وجُعلت كعنصر توظيف ذاتي، وهذا ليس حقيقي، فالقبيلة مكون اجتماعي وطني واسع في تاريخ الجزيرة العربية، ولا يُمكن لعلم الاجتماع السياسي أن يتجاوز فهم هذا المكون دون إنصافه، ولقد خلقت رحلتها المعاصرة، أفواج من النخب العلمية والتطور المدني، والشراكة التقنية والتخصصية.

بل كان هذا المكون حاضراً، ضمن التيارات الفكرية العميقة بما فيها اليسار القومي واليسار الشيوعي، فضلا عن فصائل القوميين المتعددة، وشارك بعض أبنائها في مشاريع الحراك الديمقراطي الاصلاحي، أو المقاومة المدنية الفكرية للتطبيع مع المشروع الصهيوني المركزي

 

وهذا لا يُسقط إشكالية سهولة توظيفها، عبر التفويج التهييجي، من خلال بعض المشيخات القبلية، لكن هذا التفويج السياسي هو الأساس، الذي أظهر بعض نماذج إنسان الخليج العربي من عرب الحاضرة وعرب القبيلة، بهذا المستوى من الانحطاط

وكيف حُوّل البعض، من مدارج العلم والسلوك الإسلامي والأخلاق الحضارية، بل والاختراق العلمي والتفوق الأكاديمي، لمجرد هتّيف للكراهية لعّان لأشقائه العرب بل والخليجيين المختلفين، بكل لغة بذيئة، فهذا انتاج للمشروع السياسي للأزمة لا القبيلة، وإن برزت هشاشة فظيعة لا أحسبها، خاصة بأهل الخليج العربي.

فتفويج الشعوب في الصراعات القُطرية في المغرب العربي أو بين مصر الرسمية ومن يختلف معها، منذ كامب ديفيد شهدت دورات انحطاط واسعة، أسقطت كل عرف أخلاقي جمع العرب بذواتهم والعرب مع العالم الآخر، كما أن إسقاط أكبر انتفاضة عربية حقوقية، تحققت في مصر في ثورة يناير، شهدت تحشيد بشري، نجحت فيه المخابرات المصرية، بتحويل تلك التيارات الثقافية العربية، الى قبائل وطوائف، كانت ترساً في 30 يونيو لتدمير حلم الشعب المصري، وتزامن ذلك في بسط لغة انحطاط وضيعة، وُجهت للإخوان ابتداءً ثم شملت كل من انتقد النظام المصري

لكن بقيت سلطة المشيخة القبلية ذات تأثير واسع، في الحالة الخليجية، خاصة حين فوجت ككيانات بديلة، ودفعتها الرياض لإعلان العزم على الغزو القبلي لقطر. 

وهذا يقودنا لبحث عميق هل كان لهذا المستوى من التفويج، أصولاً أوصلت لهذه الحالة، وما هو موقف الدولة ذاتها، خاصة في الحالة السعودية من التفويج القبائلي، فقد قدمت الدولة السعودية في مناهجها وتاريخها، الذي سطّره رجال المؤسسة الرسمية، مفهوم يركز على أن مشروع التأسيس السعودي، وحد القبائل في إطار الوطنية الجديدة

وحماها من إرث الصراع القبائلي، بل كان الملك سلمان شخصياً، حين إمارته للرياض، هو المسؤول في الأسرة السعودية الحاكمة، لمراسلة القبائل وتحذيرها، فور وصول معلومة بتناقلهم هجائيات الحرب القبلية، التي عصفت بالجزيرة، حين عاد الغزو الجاهلي في الاربع قرون الماضية قبل تأسيس الدولة السعودية الثالثة، وهو ما عاد صخبه اليوم وارتد على الداخل السعودي.

وبلا شك بأن الادوار السعودية استغلت ووظفت القبيلة في صراعاتها، وهنك جدل عميق وحسّاس، في قضية عسكرة القبيلة، عبر الأيدلوجية الوهابية، والصراع في هذا الجدل، شارك فيه الشيخ عبد العزيز التويجري المستشار الخاص والمقرب من الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، وتحميله مشايخ الدعوة الوهابية توريط القبائل في بعض الحروب، في محاولة منه للدفاع عن موقف الملك عبد العزيز خاصة في مذابح الطائف الشهيرة.(كتابه لسراة الليل هتف الصباح).

ومرافعة الشيخ عبد العزيز التويجري الملقب ب (الشايب) وهو شخصية من أسرة حضرية عريقة من منطقة المجمعة السعودية، لعبت أفكاره دوراً مركزيا في مواقف الملك عبد الله، وخلافه مع اشقائه عن صورة السعودية الجديدة، وكان من ضمن الخلاف فكرة تحالف المشايخ والدولة، الذي كان الطرف الآخر يستخدمها ضده.

ظل التويجري يُدافع عن الدور السعودي في مضمار العروبة، محاولاً تقديم نموذجاً مختلفاً في مهرجان الجنادرية، باستضافة مكثفة لمثقفين عرب يساريين وقوميين، على أمل أن يُثبت أن الخلاف التاريخي مع عبد الناصر لا يقلل من العروبة السعودية، التي سقطت في الأزمة الخليجية حين لُعن العرب، في مساحات إعلامية واسعة، باسم التحالف مع الرئيس ترامب ومشروعه الاسرائيلي

وهناك مدار، لا يُمكن أن يُفهم في مسألة تموضع أسر الحكم في الخليج وشرعيتها الاجتماعية، والعرف الذي أُسقط في الأزمة الخليجية أيضا.

فشرائح شعوب المنطقة تتوزع على ثلاثة أصول

1- عرب القبيلة في البادية والضواحي. 

2- عرب الحاضرة.

3-  والأسر القبلية للحاضرة

وكل أسر الحكم في الخليج تنتمي للشريحة الثالثة، وهم الأسر التي تحضرت، ولديها انتماء قبائلي، فيما الأولى هم قبائل البادية، والتي لا يعني هذا الوصف خلوها منالتحضر المدني، والثانية هم أبناء الانتماء العربي للأرض والحضر المدينيون (المدينة).

وكان من عناصر الشرعية الاجتماعية، أن تستشعر الشريحة الأولى والثانية، بانتماء خاص من طرفها لأسر الحكم التي تشمل الجميع، لكن في الأزمة الخليجية صدرت حروب اعلامية عنصرية فتّاكة، للتحريض والتقليل من عرب الحاضرة والطعن فيهم، وبأسماء رسمية كبرى

وهو ما أعاد الطرح من جديد، هل انتقلت الدولة الى المواطنة السياسية، أم أن كل ذلك التاريخ كان محطة أسدلت غشاءً وهمياً، يعطي انطباعاً بالتقدم المدني، ولا يلبث أن يسقط في الأزمات، فالتقدم الحضاري، أخلاقي قبل أن يكون عمراني مادي.

العربي الجديد