مكتب دراسات الشرق الاسلامي

الإسلاميون ومهمة العودة إلى العروبة

الإسلاميون ومهمة العودة إلى العروبة

 

مهنا الحبيل

 18/9/2018

لعل عام 2020 القادم يُمثل، منعطف السقوط الكبير في الوطن العربي، القضية ليست تشاؤم أو تفاؤل، ولكنها معطيات التحليل السياسي القائمة على الأرض واستشراف المستقبل، والذي نرجو أن يُغير الله مساراته نحو السلم والاستقرار الاجتماعي للشعوب، والذي هو مقدمة المقدمات اليوم، لإعادة إحياء فكر النهضة العربي، وصناعة درب المعرفة الواضح المعالم، لتكون مادة الكفاح السياسي والحقوقي، قائمة على أرضية مدافعة صلبة لهذا المستقبل المروع.

  تعيش منطقة الهلال الخصيب والجزيرة العربية، ومصر تداعيات هذه المرحلة بين سقوط الدولة والجغرافية السياسية لها، في وحل الحرب أو ما دونها، أو تحت تهديدات وجودية لمستقبلها وحدودها، وغنيٌ عن الذكر اليوم، التأكيد على مسؤولية النظام الرسمي العربي، بكل مستوياتالتورط والجريمة، في هذا الواقع القائم.

  وحتى منطقة الشمال العربي الأفريقية، لا تزال تعاني من هذه التجاذبات، لكنها في مرحلة صمود واستقرار نسبي، وهو نسبي مهم، في ظل حصاد المشرق ودماء شعوبه النازفة، وهنا تبدأ قضية جديدة أن هذا السقوط العربي، ليس فراغاً وحسب، ولكنه مليء بتدخلات وهيمنة إقليمية ودولية متعددة، وكأنما تم تأميم هذه الجغرافيا واشاعتها لكل نفوذ، وتحت اسم رسم الحكم بأنه عربي، أكان قوميا أو دينيا يتكئ على ثيوقراطيته المقننة، فالحصيلة واحدة في الإرث الذي يعيشه الوطن العربي.

  ولسنا بصدد استعراض كل ناحية تحتاج إلى وقفة في هذا الملف، وإنما ننتقل الى ركن المقالة وهو، كيف يُجمع شتات الفكر في الوطن العربي الذبيح، لتأسيس منظومة فكر انقاذي، تقوم على أساسين، السلم الأهلي بين الشعوب والدولة، وبين الشعوب ذاتها، والبدء بأرضية جديدة للعودة الى ميثاق إنقاذٍ عربي، والذي لا يمكن أن يُحقق عبره فكر النهضة العربي أياً من أحلامه، دون أن يستقر في ضمير الكتلة الثقافية النضالية، والرأي العام المساند لها.

  فكيف تُخلق هذه الكتلة اليوم، في ظل بقاء الإحتراب الفكري، ولنكن واقعيين حين نفهم أن مساحة الخلاف بين الحالة العلمانية العربية بأطيافها، والحالة الإسلامية بأطيافها ليست سهلة، في ظل الأزمات الحادة التي عززها استخدام أنظمة الاستبداد المتعددة، لإبقاء الحرب الفكرية، مشتعلة لتساعده في بسط سلطته.

ولنتأمل جيداً في مشهد استخدام النظام في مصر وسوريا وفي اليمن، واستخدام الثورة المضادة لذلك الصراع، وفي حين لم تُحسم قضايا مهمة للغاية يسعى فكر النهضة الإسلامي الى التبشير بها، في الدائرة الإسلامية حول الدولة المدنية والحقوق الدستورية، وإن أحرز تقدما جيداً فيه.

لكن رياح التوظيف أو التعصب الشعبوي الوعظي الحاد، تعود كل مرة لبعثرة طاولة هذه المفاهيم في الشارع العربي المغلوب على أمره، والذي تحولالإحباط لديه الى كتلة من مشاعر ثائرة، تتوجه نحو أقرب منبر يمكنه الحديث عنه دون أن تتغول السلطة عليه، وهنا دور النخب الشعبوية، واللعبة الأمنية فيها.

 فتثير مدافع الفوضى والتضليل، نحو دعاة الفكر النهضوي من الإسلاميين العرب، لتصرف الناس عن فشل الخطاب الوعظي الشعبوي، ونحن نقصد بالوعظي ليس الذي يعتني بمسائل التربية الروحية، وحاجات الناس لقيم وأخلاق الإسلام، وإنما تلك الكتلة التي تُحفّز المجتمع ضد فكر التجديد، باسم الانحراف عن أصول الإسلام، وخدمة الأجندة الغربية.

ويزيد هذا التفويج الكريه، حين تنتبه هذه النخب، بأن دلالات الواقع تبين لاهتمام الرأي العام، بأن من أخطر المهام الوظيفية التي استفادت منها الرأسمالية الغربية المتوحشة، هو بعث الفوضى عبر جماعات النخبة الشعبوية، التي تهتف في الناس الجهاد ..الجهاد, في حين كان كل المشروع الذي استنزف الدماء والأموال، هو مشروع وظيفي، استخدم فيه الشعبوي لإسقاط حلم النهضة المغتال.

فهنا لحظة فارقة، يسعى بها الشعبوي الوظيفي إلى صرف الأنظار عن جريمته، حين يعي الشباب العربي، أن جهاد الفكر، وأصول المقاومة الراشدة لأجله، لا تمر عبر دكاكين تلك الزمرة، وأن طريق التحرير لكرامة الانسان والأوطان من هنا، وليس من منابر نخبة الدم، وهذا بالضبط ما يقف ضده الشعبوي الأجير، أو المتطرف السفيه.

  أما في الحالة اللائكية الاقصائية، والتي نقصد بها تيار المواجهة والعسكرة الفكرية، التي ترفض مجرد الاعتراف بالبعد الإسلامي الثقافي في الشارع العربي، وأنه شريك مواطنة وحياة مدنية، لا يمكن لنهضة وطنية أن تستبعده، فتحديد الأزمة هنا أكتفي فيه، بوصف المفكر اليساري السوداني د. عبد الله علي ابراهيم في حوار أجري معه عن الرؤى التجديدية للشيخ حسن الترابي.

  حيث تساءل المحاور، عن عدم الاهتمام في شرائح العلمانية السودانية بآفاق د. الترابي النهضوية، فأجاب لأنهم لم يقرؤوا له ولم يفهموه، ولماذا لم يقرؤوا ولن يقرؤوا فلأنهم يكرهونه!

  وهنا جدار الكراهية لا يخص الحالة العلمانية فقط، بل لدى بعض الإسلاميين العرب، نفس المعادلة بالحكم على الفكر عبر خندق الكراهية، لا المعرفة الثقافية، سوى أن ترميز د. عبد الله ابراهيم لهذه المعضلة عند العلمانيين السودانيين، ولا نعمم بالضرورة، هي حالة متنقلةأيضا، في أكثر من قطر عربي.

وهنا نقطة فاصلة لرسالة الفكرة في هذا المقال، أننا نسعى من هذه الدعوة الى تقليل مساحة الصراع وليس الخلاف الذي سيظل قائما، بين هذه الاطياف الكبرى، والتي لا يمكن أن يوضع كل منها في سياق واحد، فضلاً عن توحيدها بعبارات علاقات عامة، إنما الهدف تمهيد الأرض للمشتركات الكبرى، والموجودة في ضمير كل عربي، لتضيّق كل مساحة دون تحقيق دولة العدالة المدنية التي يستظل بها كل تيار، ويكافح لتحقيق طموحات شعبه.

ومهمتنا اليوم ليست طارئة بل فريضة متأخرة، بعد أن أبصرنا عياناً، كيف ذهبت هذه التضحيات من حياة الشعوب، وكان من وسائل اغتيال حلم العرب، هذه الفوضى وجدران الكراهية التي عزلت الفهم عن الحوار الراشد لمساحة الإنسان والدين في الدولة العادلة.

  وللحديث بقيّة.

العربي الجديد