مكتب دراسات الشرق الاسلامي

لندن..العودة إلى مركز الاشتباك الحضاري

 

         لندن ..العودة إلى مركز الاشتباك الحضاري

مهنا الحبيل

14/9/2018

أخَذَت زيارة لندن في صيف هذا العام 2018م بعداً خاصاً، ممكن أن أطلق عليه عمقاً محورياً، وبالذات في فهم القضية المركزية، في أنسنه الصراع التاريخي بين الهيمنة الغربية وأرض العالم الجنوبي ومعقله الشرقي، ونقصد بالأنسنة، فرض مبررات إنسانية (حضارية) مزعومة لصالح الاستعمارات الغربية الدموية، وكيف عُزل هذا الإرث عن آفاق البحث، عن مصالح حضارية حقيقية بين الشرق والغرب، ببعد ثقافي مستقل.

وهو يعيد التذكير بأهمية أرشيف النقد اليساري، وبحوثه وحفرياته في الفكرة الغربية عن الشرق، لكننا اليوم استهللنا بهذه المقدمة، لنشير إلى أهمية (بريطانيا العظمى), والعقل الإنجليزي في محطة البحث الذي أتابع الطريق فيه:

 العلاقة الغربية الإسلامية.. الطريق الثالث

ويجدر بي هنا أن أنوه بأن البحث هو بحث استقرائي، لا استقصائي أكاديمي، وأنه يعمل على أخذ مجسّات ثقافية، تُعطي دلالات مهمة مؤكدة لموضوع البحث، وهل هناك فرص لتعزيز قيم التعاون الحضارية، المستقلة عن طريقي الاستبداد وتيار التطرف في الشرق، وما يُقابله من انحياز حكومي وتيارات يمينية وسياسات هيمنة شرسة في الغرب.

ولعل من نتائج هذه المجسّات التي تتعزز في كل محطة، بأنه لا يوجد قطعٌ ينفي وجود التيار الثالث، بل هناك في ذات الدراسات القديمة والحديثة وشخصيات البحث عن الانصاف الحضاري، ما هو جدير بالجمع والتحقيق والتواصل، لكنّ الحقيقة التي نراها جاثمة في كل الطرق، أن هذا النبض المستقل ضعيف للغاية، وأن من أهم أسباب ضعف تعزيزه وتواصله، غياب إطارات ومنصات الدعم المستقلة.

هنا نرجع إلى النقطة الأولى في عنوان المقالة، العودة الى الاشتباك الحضاري، ولماذا لندن؟

نقصد أولاً في هذا المصطلح أنه اشتباك تفاعلي، وليس بالضرورة اشتباك، وإن كان العهد القديم للشرق مع بريطانيا هو كذلك في شراسته، فمنذ بدأ البحث في مصادر نقد الاستشراق، كانت هناك دلالة مباشرة بأن دولتي الاستعمار الغربي، وهما بريطانيا وفرنسا، الأكثر اهتماماً وتحريراً للمادة الفكرية الخاصة بالعلاقة مع الشرق.

وبالتالي فَرضت هذه المعادلة ذاتها، على العلاقات والبحوث الفكرية الجديدة، ولعل طبيعة العقل الإنجليزي، كانت أكثر تداولا وانفتاحاً من فرنسا، بشأن ثقافة تلك المستعمرات، التي لم تغب عن شمسها، وبالتالي كانت لندن المركز الأكثر حيوية للبحث، والتي تحتاج الى مجسّات أعمق وأكثر توسعاً من غيرها.

وكسائح يحمل خلفية ثقافية، لم تكن لندن تمثل ذلك المزاج الحاد في التعامل، بل على العكس لغة التواصل، والود الإنساني العام حاضرة في شارعها، ولا يُلاحظ الصلف المنعوت به الرجل الإنجليزي الصارم، ويجدر بنا هنا، أن نتوقف عند لندن الجديدة، التي يشكل مواطنوها المهاجرون من مستعمراتها السابقة، نسبة واسعة من سكانها، باتت تتداخل في نسيج المجتمع اللندني، دون أن تفقد السلطة البريطانية التاريخية، زخمها الملكي الكاثوليكي، الذي يزدحم الناس عنده الناس يومياً مقابل قصر باكنغهام.

ودون أن تفقد حكومة إنجلترا ومجلس العموم و10 داوننج ستريت، حصيلة الإرث المتطور لصناعة القرار والتاريخ السياسي، في الأفق البريطاني المشحونبأرشيف ضخم، غابت سلطته عما وراء البحار، ولكم لم تغب صورته المخضرمة العتيقة مع العالم.

وكأنما أجراس بيج بن في وست منستر، التي قُرعت في يونيو حزيران 1859م، تَدُّق اليوم بعرفين لندنيين ل 2018, وهي أن الوفد الجديد الذي هاجر من مستعمراتنا، قد دُمج في شعب بريطانيا وها هو، عمدة لندن الجديد من رعايا شركة الهند الشرقية، فهي صورة تبدو حضارية في وجهها الأول لكن لا تُسقط الوجه الثاني، الذي يحتاج الباحث أن يتوقف عنده، وهل غابت شمس تدخلات المصالح الغربية، عن تلك الأرض الحزينة في الشرق.

غير أن توازن التأصيل، لتناقل الوعي الحضاري المعرفي لا تُسقط مطلقا، كل بعدٍ إيجابي تسطّره رحلة الحضارات أكانت في سياق المتغلب، أو المقاوم الإنساني، وإنما تَلتقط من دروسها، ما يؤسس أرشيفها المعرفي، لارتقاء البشرية، وسؤال الحكمة الإسلامية.

وبطبيعة الحال فإن منعطف رحلة مسلمي المهجر اليوم، كأحد السياقات الذي يتوقف عندها هذا البحث، هو الأكثر قدرة ومسؤولية لصناعة الفكر الجديد، الذي تقوم عليه تجربتهم الدستورية، كمواطنين وفقاً للدستور الوطني الذي منحهم هذه الجنسية، في بلدان الغرب الجديدة، ولعل أحد مسارات التحدي لتقدم الجالية في بريطانيا، حول هذا الفكر الجديد، الذي يحتاجونه في واقعهم الوطني المهجري.

أو في فكرة بقاء وأهمية تضامنهم مع الشرق وقضايا المسلمين، لكن عبر صناعة ذكية وحيوية تساهم في دعم فكر النهضة، سواء سقط المزيد من الشرق أو صمد، ومادة النهضة الفكرية هي العنصر القادر على تخفيف الكوارث السياسية، والأهم صناعة أرضية سليمة، تحميها من أمراض الشرق التي كرسّتها نظم الاستبداد.

ومكّنها من ذلك الفقه والفكر المريض، فالفقه المريض لا يمنع تقدم الشعوب فقط، بل يورثها أوبئة وأزمات نفسية وخلل بنيوي يساعد كل دكتاتورية للتلاعب بها، وهي تستمر في الصراخ في لعن الغرب، لمجرد التنفيس عن قهر المستبد، دون وعي أين تقف أفكار النهضة، ومستقبل المعرفة الإسلامية المقاصدية، من فهم تجارب الحياة المدنية للشعوب، وصناعة استقرارها.

وكان من حسن حظ الباحث، أن تكون لرحلتي وقفة جيدة في دار الرعاية الإسلامية، في شمال لندن الذي أقدم لرئيسه د. توفيق قاسمي وزملائه شكري الجزيل، على تعاونهم المميز، فهذه المؤسسة التي تَعرّضت لحادثة إرهابية من يميني غربي متشدد، فتحت لها هذه القضية بوابة تواصل حيوية.

حيث كان النشطاء اليساريون والمسؤولون الكنسيون، يواصلون زيارتهم وحواراتهم، لإظهار رفضهم لأي عمل يمس المدنيين والحياة الاجتماعية في بريطانيا والعاصمة اللندنية، وهذا بعدٌ إيجابي حيوي، يقابله أو استبقه جهود من ممثلي وفعاليات المسلمين في بريطانيا، والذي يُشير إلى تحول نوعي في طريقة التفكير المدني لمسلمي بريطانيا.

ولكن وبحسب حديث شخصيات من الجالية معي، فلندن أيضا تعاني من انقسامات ومد فقهي وثقافي متشدد، لا يزال موجوداً، يرفض فكر النهضة والتجديد المقاصدي الإسلامي، ويرتبط بحالات التعصب التي عاش تحت نيرها الشرق، واستخدمها الاستبداد لحرمان الشعوب من حقوقها وأمالها في الحرية والكرامة، ولقد وجدت ذلك ماثلاً أمامي، في ذات الفعاليات التي شاركتها.

حيث وجدتُ شخصية تعتبر من خيرة دعاة الفكر والوعي المقاصدي، كالدكتور عادل صلاحي، وخبرته الغزيرة التي خرج عبرها بفكره التنويري، بعد رحلة مخضرمة مع الحالة الإسلامية الدعوية، وقراءاته ومراجعاته الفكرية الخاصة في المهجر، في مقابل شخصية رافضة لذلك، عبرت عن رأيها في المناقشات وأعلنت تجديد ايمانها بمرجعها المتشدد.

وفكرة الحوار وتبيين مقاصد الفكر الإسلامي المدني، وأهميته لمستقبل مسلمي الغرب وشراكتهم وضمان حقوقهم، مع المحافظين وحتى المتشددين السلميين، أي الذين لا يؤمنون بالعنف، هو ضرورة لهذه الرحلة لمسلمي بريطانيا والغرب عموما، مذكّرين بأن واقع الشرق اليوم يتحول إلى أزمات جديدة، وأن من ضرورة الضرورات، أن يفهم المسلمون أن أوطان المهجر، باتت مستقراً دائماً لأجيالهم، ويعملون لتأمين القاعدة الفكرية لمستقبلهم الدستوري، قبل ان تصدمهم احداث المستقبل ورمال الشرق المتحركة.

إن نصف المهمة في علاقة الغرب بالوطن العربي والحضارة الإسلامية، تتمحور اليوم في مستقبل العرب والمسلمين في الأرض الجديدة، وهو مستقبل تتكرّس أهميته، وكأنما تعود لما قبل الاستقلال وربما أسوأ ، بناءً على توحش الاستبداد الحاكم، وخاصة في الوطن العربي وإيران، وبعض بلدان الشرق الأخرى، ومن جانب آخر ما قاد له هذا الاستبداد، والثورة المضادة من اسقاط كامل الاستقرار الاجتماعي للدول القُطرية العربية، بين دولة حرب أو دولة فاشلة.

ومع موجات النزوح التي تتزايد، ورغم كل الحواجز التي تسعى لها أوروبا، والولايات المتحدة الامريكية، لوقف موسم الهجرة الى الشمال، إلّا أن قبائل المشردين والمضطهدين، مستمرة في النزوح وإن كان ثمن ذلك تهديد حياتهم وفلذات أكبادهم.

وامام هذه الظاهرة العالمية، تعود أسئلة الفلسفة وسؤال الاخلاق والعدالة الإنسانية الى السطح، فمع كل هذه الهموم والمعاناة والهولوكوست المتنقلة، يصعد يمين عنصري في الغرب، وتمثيله البرلماني والحكومي، ويُهاجم أجيال الهجرة، ويقنن لطردهم، دون ان تطرح أصل المسألة الأخلاقية على طاولة البحث.

فمن المسؤول عن هذه المعاناة ونشؤها واستمرارها، وهو اليوم حوار يساري النزعة في مجمله، بما فيه تيار الفكر الإسلامي المدني، وهو يلتقي مع أطياف العدالة الصاعدة في أوروبا وأمريكا، وخاصة في المعهد الإنجليزي العتيق، المتضامنة مع حقوق جنوب العالم.

غير أن هذه المقاومة الإنسانية، تفتقد اليوم تلك المنصات الجريئة التي تُحول دراسة العمق السياسي، والفلسفي للتاريخ الإنساني المعاصر، إلى مذكرة ثقافية يتداولها الجمهور الإنساني العام، في الغرب والعالم الإسلامي.

تقول للعالم أن الجزء الرئيسي، من أسباب التخلف وتمكن الاستبداد كانت مصالح الغرب الأبيض، ليس كمنظور عنصري أسقطه الإسلام مبكرا، فكما أن لذوي السحنة السمراء حقوقا متساوية، فالبشرة البيضاء لا تستثنى من تساوي الحقوق وعدالة المشاعر، فهل نحن اليوم بحاجة الى العودة الى مهمة الاستغراب الإسلامي، بالمفهوم الحضاري للفكرة الإسلامية لا التيارات الدينية.

 

اليسار الشرقي والاستغراب الإسلامي.. المهمة المعطلة

فمنذ توقيع الملكة إليزابيث الأولى، في ديسمبر 1600 م مرسوم إنشاء شركة الهند الشرقية، ظلت كل مناطق الشرق تحت سلطات هذا المشروع الذي كان مجرد غطاء لهيمنة التاج البريطاني الاستعمارية، ولسنا في صدد تفاصيل تاريخ ومعاناة الشعوب، التي وقعت تحت النفوذ البريطاني السياسي المطلق، وهناك جدلية في مقارنات الشرق للنمط الاستعماري.

وترميز خاص للعقل الإنجليزي، بحيث أن الأقل دموية في تاريخ الحملات الغربية كان الاحتلال الإنجليزي، في ذات الوقت كان هو الأخطر في تفكيك قوة الشرق الفكرية والسياسية، دون أن يُقلّل ذلك من أدواء الشرق المهلكة لذاته، عبر توحش الاستبداد، والحرب على الابداع الفكري، الذي سعى لإيقاظ النهضة في أطرافه وأقطاره.

وهي مائدة حوار ونقد مزدوج منذ أن حرّر أنور عبد الملك، المفكر اليساري المصري، مفصل المسألة في عنصرية الحضارة الغربية، وقراءتها الاستشراقية، مع التحفّظ على كل مالا يعتبر حضارة، ويُدرج تحت هذا المصطلح الفضفاض، وتحديدنا لعبد الملك، نقصد به فكرة الإيمان بأن مشروع النهضة المنصف للشرق، لا يُمكن تنفيذه وخلق أرضية وعي له، دون أن يَصنع ذلك في قوميته وقيمه الذاتية.

وهي الفكرة التي أسس عليها د. ادوارد سعيد منظومته التاريخية في نقد الاستشراق، ولا أقول إن تأثر د. ادوارد سعيد، كان الهاماً ابتداءً مع أنور عبد الملك بالضرورة، وإنما المقصود أن بحث سعيد الأكثر عمقاً، قاده الى حفريات أنور عبد الملك الذي نظر إلى الغرب، بالبعد اليساري المتصل بالشرق، ونقله من صدمة الإعجاب المطلق، إلى تحرير المسافة الحضارية والموقف الأخلاقي من الشرق.

ونعني بذلك أن الأرشيف الضخم، الذي وقف عليه د. ادوارد سعيد، للانحياز الأعمى في غالب الدراسات الاستشراقية، وعلاقاتها بمقدمات الاستعمار، وبحسب كتاب سعيد نفسه، شعر أن أنور عبد الملك قد وصل اليها مبكراً.

ومع طبيعة واقع الشرق، وإشكالية غياب الحُكَم العادل المقاوم للاستعلاء الغربي، الفكري والسياسي، والذي تعرضت له مصر في نماذج عدة، تنقلت رؤية د. أنور عبد الملك، التي تصيب كل مفكر، حين يتنزّل على الأرض السياسية، وتبدأ النسبية في تقدير الموقف تضغط عليه، تحت ظلال الحروب والمشاريع الاستعمارية.

والذي قد تكون سياسة المستبد القومي، وحربه لحق الشعوب الديمقراطي، ونقصد بالقومي السلطة الحاكمة للأوطان لا الفكر، فهي أبرز عناصر تمكين القوة الغربية القهرية على الشرق، بسبب سياساته الدكتاتورية، أكان ملكياً أو جمهورياً.

وأحسب أن وصف الناشط والمفكر اليساري المخضرم، في حزب العمال البريطاني بول هول بورو، وهول بورو مناهض قوي للعنصرية، وأحد أبرز مؤسسي حركة مناهضة الحروب، التي نشأت عند الحرب على العراق، وهو أكثر شخصية غربية، وجدتُ لديه حماس وتشجيع لفكرة البحث.

فقال لي: بأن هذه الصعوبات التي تُحاصر الجهد الفكري المستقل، سببها أننا نعيش زمن رأسملة الثقافة، وأظنه بالفعل وصف في غاية الدقة، وهي ظاهرة خطرة في علاقات المجتمعات والشعوب، بحيث يكون ترمومتر التواصل والعلاقات الإنسانية، ليس قائماً على خلاصات الفكر الإنساني، لوضع معايير المعرفة والحضارة الإنسانية، وإنما وفقا لقرار الرأسمالية النفعية.

إن هذه الدراسة المختصرة ضمن البحث القائم، تعطي مقدمة لمساحة الفراغ القائم، في وعي المهمة الفكرية للشرق، التي شارك فيها المسلمون، وغيرهم من ديانات الشرق، وسؤال البحث عن مساحة العلاقة المستقلة، غير أنه يطرح هنا العودة الى فكرة النقد الموضوعي لتحرير أرضية المشترك الحضاري، في جدل الشرق الداخلي ومع حلفاء الفكرة اليساريون.

العربي الجديد