مكتب دراسات الشرق الاسلامي

ماذا تريد أبوظبي من رسالتها الأخيرة لمسقط

 

ماذا تريد أبو ظبي من رسالتها الأخيرة لمسقط؟

 

مهنا الحبيل

 9/9/2018

خلال الأزمة الخليجية تصاعد استخدام رسائل تويتر، في التهيئة لتوجهات سياسية وأمنية حسّاسة،بين دول مجلس التعاون الخليجي حتى بين أقرب الحلفاء، والتي كانت تسعى لخلق مساحة استقلال حتى عن حليفها الاستراتيجي، لمصالح قُطرية، فضلاً عن الخصوم المباشرين أو النسبيين، وعلى سبيل المثال موقف الرياض وأبو ظبي من الكويت ومسقط، بعد أن مثّل حيادهما بعداً إيجابيا لصالح قطر، قبل أن يتبين بعد ذلك أن إسقاط قطر، كان يعني بالضرورة تهديدهما.

  وهذا لا يُسقط ضرورة الحذر الشديد، من فهم رسائل تويتر، والسوشل ميديا، ووضعها في سياق فهمٍ دقيق، لا يتعامل مع نصوصها بل مدلولاتها، ولكن أيضاً لا يُسقط أهمية الرسائل التي تبعثها، في ظل التعلق النفسي الواسع، لأصحاب القرار في المنطقة بدلائلها، وخوض الحروب السياسية في إطارها.

  ومؤخراً ركّز الفريق ضاحي خلفان، وهو شخصية أمنية انتقلت من نفوذ أسرة المكتوم، إلى الطاقم الخاص بولي عهد أبو ظبي، وليست شخصيتها ذات بعد في مركز القرار مطلقاً، بقدر ما هو منصة تعطي زخماً ضاغطاً لصالح مشروع الشيخ محمد بن زايد، وما يعنيه تأميم أبو ظبي مؤخراً، لأمارة دبي ضمن جهازه الأمني الخاص، وليس الدولة الاتحادية الدستورية.

  رسائل جديد تغريدات خلفان، تركّز القول على أن الإمارات وعُمان متحدة المرجعية التاريخية، لكن مع فرز سياسي حاد ضد مركزية السلطنة وتاريخ الأئمة المقاومون، والأسرة البوسعيدية في مسقط، وتبعية ساحل عمان الظاهرة (أبوظبي ودبي وبقية الامارات)، بحسب منطوقنا المحلي في الخليج العربي، إلى مركز وعمق عمان التاريخية، وهو مسقط وامتدادها الجغرافي العربي العريق إلى جنوب الجزيرة، والذي كان يشمل أجزاءً من شرق أفريقيا، وخاصة زنجبار.

ولم يقل أحدٌ في يوم من الأيّام، أن زنجبار المرتبطة بمسقط، تابعة لعُمان أبو ظبي مثلا؟

  فعُمان هي عُمان في مركزها التاريخي ما بين مسقط ونزوي والباطنة الى ظفار، سواءً دفن سلاطينها في الساحل التابع لها أو العمق، بل إن علاقة القواسم، أعرق أسر الحكم في دولة الامارات العربية المتحدة، كانت اندماجية في عهود تاريخية مفصلية، مع أئمة عُمان، رغم أنهم وهابيون حنابلة، والأئمة إباضة، بما فيه تأثر القواسم في بعض منعطفات الصراع السياسي بين الأئمة، واتحادهم في مواجهة الغزو الصليبي للخليج العربي، الذي واجهته المقاومة العربية المجيدة.

  وقبل أن نستطرد، نرد على المتحفّظ، وقوله بأن الفريق ضاحي يُدعم بمجموعة من الحسابات العُمانية، بعضها أسماء مستعارة وبعضها حقيقي، فلا نقول هنا بأن أبو ظبي لا تملك مساحة تعاطف وتأييد، بعضها عفوي طبيعي وبعضها مصالح متبادلة بين شعوب المنطقة، والنفوذ الاقتصادي الضخم للإمارة، ولسنا في وارد فرز المشروع والممنوع قانونيا منه، وهناك مساحة متداخلة حتى في الموقف السياسي الأخير في الخليج، وللناس حقها في الرأي مع التحفظ على الحسابات الموجهة.

  غبر أن رسائل الانسان العماني الودود، التي قد تحتفي بتغريدات ضاحي، لا يُقاس عليها فهم المدلولات السياسية، من رجل أُعيد توظيفه في قلب الرسائل الأمنية، بغض النظر عن حق الشعوب المحترم التي ذكرناه.

الثاني أن لدّي ما أعتمد عليه من فهم سياسي مؤكد، من أن دائرة القرار المركزي في السلطنة ومحيطها الخاص في البلاط، تحمل حذراً واستياءً سياسياً وأمنيا، يكفي لتقدير الموقف المهني، من سياسة أبو ظبي التوسعية وتداخلها، مع حدود وعمق السلطنة.

  لكن ضاحي ليس هو القضية، ولكن هناك ما هو أهم، فيما تأتي تغريدات خلفان الاستفزازية، في سياق هذا الأهم، فمؤخراً قدم تيوبر باسم رعد الشلال، ووفقا لخطابه فهو يتحدث من محيط ولي عهد أبو ظبي الأمني، حلقة خاصة من قناته تتناول خلية أبو ظبي الأمنية،والتي كشفت عنها السلطنة في 2011، السياق هو نفي للعملية، ولكن سياق النفي أخطر من الاثبات من خلال الآتي:

1- قدم التيوبر معلومات نجزم من خلال تفاصيلها، وطريقة عرضها، أنها موجهة من قصر ولي عهد أبو ظبي.

2-  الحلقة تتحدث عن انشقاق داخل الأسرة الحاكمة في عُمان، وأن أبو ظبي مجرد راصد لها، ولم يكن بالطبع هذا السياق مقنع كلياً، خاصة بعد مضي كل هذه السنوات، فلماذا نطقت أبو ظبي اليوم؟

3-  مقدمة الحلقة تركز على أن الدولة مركزية، في يد السلطان قابوس وأن هذا يُعرّضها للخطر بعد رحيله، فيما يقول التيوبر، أن ذلك يمثل طمعاً لأطراف متعددة داخل البلاط.

4-  وأن كل ما جرى هو أن أحد هذه الأطراف، حاول الحصول على دعم ولي عهد أبو ظبي، لضمان انتقال السلطة، بعد رحيل السلطان قابوس، ولنلاحظ هنا، أن الواقعة التي تم الحديث عنها، كانت في 2011، أي قبل أي توعك وقبل الرحلة العلاجية للسلطان قابوس، ونحن في أيلول 2018، فيما تعلن أبوظبي اليوم هذه التفاصيل والاشارات، في أوج التوتر من رسائلها!

وقبل التحليل لرسائل أبو ظبي، أشير الى قضية أساسية، الأولى هي أن للدول في منطقة الخليج العربي، ارث في نقل السلطة، بغض النظر عن موقفنا من قضية المشاركة الشعبية لكل هذه الدول، وفي الحالة العمانية لا يوجد الفراغ الذي زعمه التيوبر، فهناك مرسوم نظم اختيار الأسرة البوسعيدية للسلطان الجديد، تحت حكم مجلس دولة عماني عيّن السلطان أعضائه وحدد مهمته.

والذي يباشر السلطة فورا الى انتخاب الأسرة للسلطان الجديد، والذي سيُحسم في مسمى رشحه السلطان قابوس خلال أيام محدودة، لو لم تتفق الأسرة الحاكمة، وإن كان هذا الأمر بات ضيقاً جداً، في ظل صعود أسم بارز يرجح أنه المقصود في رسالة السلطان.

ولكن قضيتنا هنا هو ماذا تريد أبو ظبي من هذه الرسالة؟

ولماذا اختارت هذا التوقيت؟

  لا يمكن أبداً للكلمات المدائحية التي استخدمها التيوبر، بأن تغيّر مضمون الرسائل الحسّاسة، وسواءً كان هدف الرسالة التهديد الضمني، بأن مواصلة مسقط سعيها الإقليمي الخاص، وتأثيرها المتوقع في مستقبل حرب اليمن، أو التوازن الذي باتت مسقط تمثله في عرب الجزيرة، رغم حرصها على الحياد العام الذي صنعته سياسة السلطان قابوس.

أو كان القصد محاولة اختراق، عبر بعث إشارات لأطراف داخل المركز السياسي لمسقط، للترويج لأهمية تدخل أبو ظبي في مستقبل السلطنة، فكليهما تطور خطير، يُشير إلى أن الشيخ محمد وفريقه، لم يفهم حتى اليوم، تفاعل المجتمع العماني الطبيعي والمتصل بكل أركان السلطنة، وغضبه من رسائل الاستفزاز المتكررة.

ولا ننكر أن بعض المغامرات تنجح في مناطق متعددة، غير أني وعبر فهم ميزان القوة والعمق السياسي، أظن أن أبوظبي ستحرق يدها في مسقط إلى غير رجعة، لو كررت المحاولة.

الوطن القطرية