مكتب دراسات الشرق الاسلامي

البعد الإيراني في الأزمة الخليجية.. حصاد المرحلة 

البعد الإيراني في الأزمة الخليجية.. حصاد المرحلة 

مهنا الحبيل

 26/6/2018

منذ اشتعال الأزمة الخليجية قبل عام من الآن، لعب الدور الإعلامي مساراً مركزياً فيها، في بعدين رئيسيين:

الأوّل:

كان التهيئة الإعلامية للمشروع الأوّل ووضع الناس في الخليج العربي، في نفسية ذهول وتحت قصف الاشاعة والصدمة، والتبرير الذي لم يكن له أصول تُعقل سياسياً.

    لكن كان المهم توقيت ضخّه، على الشعب العربي في الخليج، للإعداد النفسي السريع، لحدث دراماتيكي، يتجه نحو مسار 2 من آب أغسطس في الكويت، أو يقل عن مستواه، ليصل لانهيار سياسي كامل لقطر، تحت تهديد زحف جماعات قتالية أو قوات نظامية.

  فشل المشروع الأوّل الذي اعتمد أصلاً على الضخ الإعلامي، والحرب السياسية الاستراتيجية في تويتر، عقّد الموقف على دول المحور، وهناك نسبة تقييم قانوني وسياسي كبيرة، غابت قطعاً عن أصحاب القرار، الذين راهنوا على أن غطاء ترامب الذي تصدع سريعاً، خاصة في مسار العنف المتطرف، -بناء على مصالح قومية أمريكية، ضغطت به المؤسسات عليه-، سوف يكفل لدول المحور الخلاص السريع، من تبعات هذه التصريحات والتغطيات، وتكلفتها القانونية المستقبلية.

  والبعد الثاني:

 حين بدأت محاولة تصحيح الخطأ، لدى دول المحور، بخطأٍ آخر،وُضعت فيه منصة تويتر، في موقع التوجيه المعنوي المركزي، دون أرضية قادرة أو منضبطة، وهذا الأمر، لم يصل لهذا المستوى من الفوضى الخطيرة.

لولا نجاح أبو ظبي في سحب السعودية، من أقل درجات التوازن السياسي والسيادي، الذي حافظ على شعرة معاوية في علاقاته الخليجية، وتوتراتها المختلفة مع دول الساحل الخليجي، على مدى 40 عاماً.

  وكان أمام الدوحة خيار اضطراري، لخوض معركة الرد الإعلامي، التي بدأت بانضباط أخلاقي، ثم توسّعت عناصر الرد والدفاع، الذي لم يصل مطلقاً لمستوى الحملات الموجهة ضد قطر، والذي تجاوز بعضها قطعاً وأساء للآخرين في الخليج، بعد أن أدرك الجميع في قطر، دولة ومجتمعاً، أنهم أمام خيارات حرب دفاع وجودية.

يُعلن فيها الخصم رسمياً، تأكيد نواياه علناً، منذ التهديد العسكري، إلى قناة المياه العازلة، التي باشرت لأول مرة في التاريخ، قطع الرابط الخليجي الاجتماعي، بين أركان الساحل وامتداداته الديمغرافية الاجتماعية، عبر منطقة الأحساء الواصلة بين رحم أهل الخليج العربي، بادية وحاضرة، من الكويت إلى عُمان.

  ودفع ذلك التطور قطر، لمواجهة التوحّش الإعلامي ، لتُعيد بوصلة التقييم الإعلامي بناء على المصلحة الوجودية لأمنها القومي، والصراع الإقليمي الشرس فيه، وبلا أدنى شك أن تطرف دول المحور هو من هيأ لهذا التحول، الذي لم ولن نسعد به، في قضية المشروع الإيراني وزحفه على المنطقة، لكننا نفهمه بوضوح.

    فالدوحة اليوم تُنظّم ملفاتها، بناءً على أمنها الوجودي أوّلاً، وإن بقيَت مشتركات الضمير الرسمي والشعبي، في الدوحة متحدة في عمقها العربي والخليجي، من جرائم النظام الإيراني.

  والحقيقة التي حاولنا إيصالها مبكراً، منذ تطور الصراع العربي مع المشروع الإيراني الطائفي، والحروب التي أنتجها طموح طهران، وتقاطعاتها الإسرائيلية والأمريكية، أن لغة ذلك الصراع وتوازنه، كانت خاطئة بل قاتلة للضحية نفسها، حين سُعّرت طائفية سنية لتقابل طائفية ايران وميلشياتها، في دورات توتر كبرى منذ 1979، لم تُراعي لغة الانضباط ولا حساسية المجتمعات.

 ولم تحافظ على الجانب التاريخي الاجتماعي، الذي يجمعنا إقليمياوديمغرافيا، منذ مئات السنين مع ساحل فارس، وعبره تعبر مصالح طبيعية، وتواصل إنساني، فضلاً عن رسالة الإسلام التي تجمعنا، مهما بلغ التطرف الطائفي الجعفري، أو (الوهابي) المقابل، حيث الأصل أن يجنح الناس، إلى تأمين فكرهم وعلاقات السلام الاستراتيجية، ضمن بناء الدول وحدودها وتداخلاتها الاجتماعية والجغرافية.

  وكان بالإمكان أن يُعزل هذا الصراع، عن الحرب الطائفية المجنونة، ثم القومية العنصرية، التي نجح الغرب في توظيفها من جديد لمصالحه، ولم توقف أياً من تعديات إيران الضخمة، على أمن الشعوب ووحدتها الاجتماعية، أي أنّ الحرب الطائفية المقابلة، أضعفت البنية السُنية وورطّتها، قبل أن تنقلب عليها مؤخراً، بعد التطور السعودي الأخير، واندماجه مع أبو ظبي.

  وهذا التشخيص لن يُغطّي الملف الضخم، لفشل الجانب العربي في وقف الزحف الإيراني، والذي دونّا انكساراته، ومآزقه في كتاب، “الخليج العربي والزحف الإيراني”، والذي ساهمت فيه نفس الخطط والعشوائية الخليجية، منذ حرب العراق وإيران الأولى.

 حتى إعلان الصدر الأخير تحالفه، مع هادي العامري قائد الميلشيات الطائفية، التي ارتكبت أبشع مجازر التاريخ الحديث واتحادهم مع د. حدير العبادي، في الحكومة المقبلة، والأطراف المشكِّلة في الأصل لتوجهات البيت الشيعي السياسي، الذي برز في موسم الاحتلال الأمريكي 2003.

  والذي نقصده هنا، أن كل ذلك الضخ، بأن هناك مشروع عربي قادر على عزل إيران، من داخل العملية السياسية، هو وهمٌ كبير لا حظوظ له، إلّا في الضخ الإعلامي، لطمأنة النفس والجمهور، بنجاح سياسي أمام الزحف الإيراني، والزعم بأن قرار النكسة الخليجية، بات يحقق تقدماً في هذا المسار.

 وهذا تقييم يسقط عند أوّل رؤية تحليلية، فلقد كان قرار الأزمةالخليجية، كارثة على المجتمع الخليجي والمشروع العربي الرسمي، الفاشل أصلاً، في وقف هذا الزحف، والذي تحقق لإيران في سوريا وفي العراق، وهما بنيتها الأصلية تحت موسم الأزمة الخليجية.

  ثم حسمت في لبنان حسم تاريخي، لم يصل إليه مشروعها الاستراتيجي من قبل، وانهار مشروع سعد الحريري والمستقبل، تحت قصف الفوضى السياسية والإعلامية، التي أنتجها خطاب الأزمة.

  وقد يتعثر مشروعها في اليمن، ولكن عقل إيران الاستراتيجي ذو نفس طويل، وبالتالي حتى لو تحقق تقدم مهم للشرعية، في اليمن، فلا نعرف إلى أين ستستمر معركة صنعاء، والإشكال هنا، في طريقة التعاطي والفهم الاستراتيجي للمعركة، فإيران حتى لو وقفت آلة الحرب وهذا ما نرجوه، وأن تعود شرعية الجمهورية، الى منصة القيادة السيادية لكل مناطق الدولة، ويعقبها مصالحة وإعمار لليمن، فلها أرضية ولاء ونفوذ ستستمر.

وفهم هذه الأرضية ضرورة لأي نجاح، ثم التعامل معها بواقعية سياسية، بحيث لا تُدفع اليمن لحرب سياسية طائفية، بعد وقف إطلاق النار، ولا يؤزّم المجتمع اليمني كما حصل في لبنان، وحلبت إيران مصالحها، وخسر لبنان مزيداً من عروبته وسيادته.

  وإنما تحترم إرادة الشعب اليمني، وتعمر علاقاته التاريخية، ووحدته الاجتماعية، وتكّف فكرة الحرب المجنونة على الإسلاميين المدنيين، من إخوان وغيرهم، وتشجيعهم لبناء شراكة استراتيجية، في اليمن لا استعدائهم، على المحيط الإقليمي الخليجي، الذي ورطته أبو ظبي في معارك ومشاريع، لن تكون قاعدة استقرار وتعايش بين اليمن الجديد، الذي يولد من رحم الحرب، وبين هذا المحيط الخليجي المتصدع.

  إن فكرة أن يُعاد تقييم المنهج السياسي والإعلامي والاستراتيجي، لمنطقة الخليج العربي، والخروج من صراع إنسان الشرق أكان فارسياً أو تركياً، أو كان مذهبيا مختلفاً، هو أساس ضروري لأي تصحيح مستقبلي، بل إن ايران الدولة، لا يُمكن أن تسقط من هذا التفكير، فالحفاظ على التوازن معها دون الحرب، لا يُلغي أحقية الصراع المنضبط ضد تعدياتها.

    لكن الكارثة كانت، حين خُلقت بيئة خطاب كراهية بين العرب والفرس، ثم العرب والأتراك، ثم الأصول الاجتماعية ذاتها لبعض مناطق الخليج العربي، المتداخلة مع فارس تاريخياً، فهذه الرؤية التصحيحية التي تضبط عنوان الصراع، وتتمسك بالسلم الأهلي للمجتمعات، لا يُمكن أن يُنفذها ولا أن يضع تصوراتها، من يجهل كامل تاريخ المنطقة، ومكوناتها الاجتماعية، وهو ما تحتاجه الرياض لوقف خسائرها، إلى طاقم صادق لا يُشترى، تعتمد عليه للخروج من مآزق كبرى.

  وهنا نشير إلى نموذج للفهم، فالجميع يعرف، أن القوة الاجتماعية الاقتصادية، في دولة الامارات العربية المتحدة، يشارك ادارتها، مواطنون تنتمي أصول بعضهم، الى شعب ساحل فارس، غير العربي، أو كمقيمين وتجّار إيرانيون شركاء في حركة الاقتصاد.

 ولم يجري أي توتر معهم ولا مصادمة، ولا يزال نفوذهم قائم،وقد تكون قلّة منهم متورطة، في دعم جرائم حرب ضد الإنسانية في سوريا والعراق، ومع ذلك لا يوجد أي توتر مع هذه البنية، وحركة التجارة قائمة وحيوية مع بازار إيران الواسع، رغم احتلال الجزر، والتصعيد السياسي الموسمي.

  هنا نذكّر بالمقابل بالوضع الخطير الذي وصلته الرياض، مع شعوب ساحل الخليج العربي، وكيف سيتحوّل في المستقبل هذا الاستهداف العنيف والمتطرف، لأهل قطر، وخاصة رمزية قطع علاقات أهل الساحل بقناة سلوى، وما هو ردة فعل الوجدان العربي، لأهل الساحل بكل مكوناتهم، حين تُثبّت أمامهم رمزية المفاصلة والقطيعة.

وكيف تُقيّم سياسة الدولة السعودية الجديدة، التي خرقت عهد رباط وميثاق بين ساحل الخليج العربي المتحد طبيعياً، عبر الأحساء من الكويت الى سلوى وإلى عُمان، حين دخلت جغرافيا الشرق السعودي تحت سيادتها؟

  إنه من المؤسف، الّا يوجد فهم سياسي واستشعار استراتيجي، لمثل هذه الرسائل، في صناعة القرار السعودي، الذي بات يدخل في مواجهات عنيفة داخل اللحمة الخليجية، في ظل تورطه في صراعات قومية قُطرية، من المغرب العربي الى الصومال، حتى الحليف مصر، فتم استدعاء نزاع اجتماعي شعبي معها، من خلال فوضى التدخل الرياضي والفني.

  هل هذا الحصاد، هو خسائر لإيران؟

 أم مكاسب تاريخية كبرى تُعدّ به، لجولة جديدة، ولا ندري اليوم إن كان هناك من يبحث عن الرأي للتصحيح، فها هي الرؤية، أما من همّه التصعيد للمراهنة على كسب سياسي موسمي، فلن يُسعفه الزمن، ولا يلومنّ إلا نفسه، بعد أن نبذ كل رأي ناصح حوله، واستبدلهم بجوقة أبو ظبي.

 الوطن القطرية