مكتب دراسات الشرق الاسلامي

خلاصات من ورشة العمل” كيف نفهم تجربة تركيا الحديثة”

 

 

كيف نفهم تجربة تركيا الحديثة؟
ورشة عمل قدّمها أ. مهنا الحبيل
في الملتقى الثقافي لشتاء مونتريال /كندا 2018
بضيافة الجمعية العربية الكبيكية

___________________________________________

لماذا تركيا ؟

تركيا دولة محورية ولها وضعها الاستراتيجي المهم للشرق الإسلامي وأيضًا من المنظور الأوروبي،
ففي تاريخها كان للسلطنة العثمانية مسيرتها الحيوية والمتفاعلة سلبًا وإيجابًا مع الجهتين،
كما تُمثِّل تركيا جغرافيةً وَسَطًا بين الشرق والغرب بالإضافة للمزيج العرقي المكون لإنسانها ، وبالنسبة للشرق هي محضن لقومياته الأربعة الكُبرى ” الترك،العرب، الكرد، الفرس”
ونحن إذ ندرس التجربة التركية ، ليس لانها النموذج المثالي المطلق، وإنما للفائدة مما وصلت إليه كتجربة ذات روح وفلسفة إسلامية لإدارة دولة مدنية مهمّة ، فمن واجب العقل الفكري المسلم تمحيص معتركها والوقوف عليه من زاويته الفكرية و السياسية ،بعيدًا عن العاطفة المشحونة،
وأن تُبنى العلاقة معها على أساس الأمة الإسلامية بغض النظر عن الانعطافات التي مرّت في تأريخ المسلمين.

نشأة الدولة الحديثة:

قامت الدولة الحديثة بإعلان الجمهورية ( ١٩٢٣) م ،بعد انهيار السلطنة العثمانية ،
والتي في انهيارها عبر وفوائد،
يذكر أ.الحبيل تجربة الأمير شكيب أرسلان مع السلطنة ومذكراته التي كتب فيها عن محاولات الإصلاح في نُظم التعليم والإدارة و المطالبة بالدستور ،قبل الإنهيار والوعي المتقدم للمصلحين بأهمية العمل على عدم تفجير الصراع القومي و الطائفي في الشرق، وهو ما نشهد نتائجه الآن .

بدأت الدولة الحديثة بقيادة مصطفى كمال أتاتورك وتحوّلت على إثرها تركيا من الدينية إلى العلمانية، وكان لها أثرها الإيجابي في مسيرة البلاد من الناحية المدنية ،
لكن لها سلبياتهاأيضًا ،

إذ بدأت بحدية ثنائية :
_ لم تكن علمانية ديمقراطية ،بل كانت علمانية قمعية، مارست قمعها على الحريات السياسية وأورثت الإحباط في روح الشعب المرتبط بهويته الإسلامي
_ الدكتاتورية العسكرية

ناضلت تركيا لتأسيس منظومتها السياسية في مقابل العسكرتارية المهيمنة عليها، وتوالت حِقب من الانتخاب الشعبي والإنقلاب العسكري .

 

التجربة الإسلامية في تركيا:

بدأت التجربة بقيادة البروفسور نجم الدين أربكان، والذي أسس حزب النظام الوطني كأول تنظيم سياسي له هوية إسلامية بالتحالف مع الحركة النورسية في العام ( ١٩٧٠) م ،
بعد حل الحزب بقرار قضائي بأمر الجيش وإنذاره ،
عمل على تأسيس حزب السلامة الوطني بذات التحالف (١٩٧٢) ، الذي حصل على مقاعد برلمانية أهلته للمشاركة الحكومية،
هذا الكسب تمت مصادرته بإنقلاب عسكري أيضًا ،
في (١٩٨٣) م أسس حزب الرفاه ،الذي استمر في النضال حتى الفوز بالأغلبية (١٩٩٦) وترأس الحكومة الائتلافية،
ومنعًا لأي مواجهات مع الجيش قدّم استقالته ،
وتكررت المحاولات منه في مواجهة التيار العلماني حيث أسس حزب الفضيلة ،الذي تمّ حله أيضًا ،حتى اعتزاله العمل السياسي.

حزب العدالة والتنمية :
تشكّل الحزب من الجناح التجديدي من حزب الفضيلة ، بانفتاح على التيارات الديمقراطية ،وانطلاق من داخل المجتمع،
لا يصف نفسه بالإسلامي ولا يستخدم الشعارات الدينية ، لكنه مؤمن بجذور هوية الشعب الروحية وتاريخه الكبير واختلاف الرؤى الثقافية كما يقول منظر تجربته الفكرية د. أحمد داؤود أوغلو: ” لايزال الشرق شرقًا والغرب غربًا
لكنه مؤمن بضرورة الانفتاح على الآخر المختلف في صعيد علاقاته الدولية بمبدأ تقاطع المصالح وبنظريته المعروفة ” صفر مشاكل” بمقصدها البراغماتي،
وعلى الصعيد الداخلي ،علت المواطنة في خطابه السياسي مع مبدأ حرية الشعب والرفاه للنهضة .
أحرز الحزب تقدّم واضح داخل المجتمع التركي ،لاهتمامه بالقضايا المادية التي تلامس الناس يوميًا وبعده عن الحجر على الحريات الشخصية ،
وظهر هذا عندما أفشل الشعب التركي انقلاب الجيش على الحكومة الديمقراطية (٢٠١٥)م وذلك لقناعته بالديمقراطية وإيمانه الكبير بالحرية وقيمها العالية،
تركيا كغيرها تواجه تحديات داخلية وخارجية ،ندعو لها بالتوفيق.

الفائدة من تجربة تركيا كرؤية مهجرية :

في خطابه لمسلمي المهجر دائمًا ما ركَّز أ.الحبيل على أهمية الإنفصال عن الشرق ومشاكله ، ليس الانفصال الروحي والوجداني وإنما التَّشكُّل الفكري الواعي والإنتقال من مفهوم الجالية إلى مفهوم المواطنة الدستورية والانخراط المدني في الدول الجديدة،
والذي من شأنه المساعدة في التواصل الثقافي ومد الجسور مع المجتمعات ،
وهذا الأمر لا يذهب بالهوية الدينية وإنما بإمكانه تصحيح البُعد المعرفي النمطي عن الإسلام وإنسان الشرق،
ومن هذا المنطلق كانت تجربة تركيا في الفكر الإسلامي الواعي وانفتاحه على المسار العلماني الديمقراطي.

الخنساء

مكتب دراسات الشرق