مكتب دراسات الشرق الاسلامي

الخطاب الإسلامي والدولة المدنية ..الفريضة الغائبة

 

 

الخطاب الإسلامي والدولة المدنية..الفريضة الغائبة

مهنا الحبيل

ماذا لو دعا الإسلاميون اليوم، لمؤتمر حوار عام يراجع الموقف من مصطلحات، فرضوها على شارعهم،وتبين لهم أنها ليست قطعية للشريعة ولا ضرورة عقلية، بل أظهرت المأساة أن جزءً من خطاب التعبئة الديني، خاصة بعد تمكن الاستبداد، من الاختراق المركزي لبعض مسارات الصحوة، واستخدام الدين المصنوع مطيّة للمستبد، ثم أعيدت قولبته لسحق بعضهم.

كيف ستُراجع الدفاتر القديمة، التي كتبها بعض قادة العمل الإسلامي ومنظرو التعبئة المشحونة، الذين كتبوا في السياسة والدولة والحضارة، عبر ذات العقل التربوي، ولم يُكلفوا أنفسهم، مراجعة الفكر الإسلامي القديم والحديث، مراجعة عميقة، تستهدي خارطة أفكار التقدّم في الفهم، ودورات الحياة التي تصنعها التجربة ؟
والتي كانت كلها محتشدة خلف الوعد القادم، الذي فرض أحلامه ووجدانه الثائر، للفكرة الإسلامية، ليُقدّمها كمسلّمات للشريعة، ولم تقل الشريعة بذلك، بل أعطت نصوصها ما يُفرز بين الوعد، ويقين التشريع بأن الله قد جعل الأسباب بعلمه وقدرته ورضاه، محط الصعود والهبوط والنصر بين الأمم، وينزّل بركته على من قام بمهمة التكليف بشروطها !

أين يقف هذا المفهوم اليوم في الخطاب الإسلامي، وهل بدأ التحول العقلي، والتبصّر والمراجعة في الرصيد والمآل المروّع، لتُرَاجع تلك المفاهيم ؟
وكم استنزفت عمليات الرفض والصراع الفكري والسياسي، مع مصطلح وجملة:
(الدولة -القُطرية- دولة مسلمة، والشريعة الإسلامية مصدر رئيس في التشريع- أو المصدر الرئيسي للتشريع)

حيث حارب الإسلاميون في هذه المعركة واستنزفوا قدراتهم، وأفهام شبابهم، لأجل قسر المادة الدستورية على نص:

(الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع )

وقد كان المقصد، أن تؤطّر الشريعة خارج كليات الوحي، ومقاصد التشريع الإسلامي، بحيث يُلزم النص بما لم يلتزم الشارع به!،

الذي ترك مساحة كبرى للعقل الدستوري والمدني في مصالح الناس، فوضع خطاب الإسلاميين سقفًا خاصًا له، وصارعوا عليه.
وبأنّ كل الأحكام، لا بد أن تكون مستقاة كنص مستقل خاص بالشريعة، ورغم أن ذلك المفهوم، لم يكن له مساحة تطبيق شاملة، وبالتالي الوقوف على خلله المركزي شرعاً، وعقلاً، غير أن الشباب تمت تعبئتهم به دون أن يعوّا كيف ولماذا، وما هو التصور العملي لذلك.

ثم ماذا كانت النتيجة؟

القراءة المتأنية اليوم، والواقع المر يكشف حجم المأساة، في التفكير الإسلامي السابق،
قال لي صديق داعية سلفي خليجي قبل أيام، “إننا اليوم لا نأمل بأكثر من دولة مستقرة للمسلمين، تؤمّن الأمن الاجتماعي والسياسي المجمل للإسلاميين، مع مواطنيهم، عبر الاستقرار والسلام الاجتماعي”
ثم عقّب “لا أكثر منذ ذلك ” وكان يقصد دولته أكثر من غيرها !

وهذا بعدًا إيجابيًا في الفهم يجب أن نتوقف عنده،
لكننا لا بد من أن نعود، لموروث الفكر الإسلامي المعاصر، لمناقشته حتى يتبيّن لأهل الخطاب، أن المأزق لم يكن لواقع سياسي فقط، ولكنه لفهم فكري قاصر، واستدلال شرعي غير صحيح.

إن مناط تعزيز السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي اليوم، وهو ضرورة الضرورات، في ظل الواقع للمسلم المعاصر، وتمزقات الشرق العنيفة،
يقوم على وعي هذه المسألة، بأن الدولة المدنية ليست خياراً، يمكن التنقل عبره أو تغييره، للحصول على السلم والاستقرار، ومن ثم التطور السيادي والسياسي والتقدم العلمي.

وإنما ضرورة عقلية مطلقة، وفريضة شرعية بذات المفهوم، الذي تؤسسه كليات الشريعة في دفع أكبر الضررين، والذي استشعره صديقنا الشيخ السلفي.

إن شعور الإسلاميين اليوم، واستيقاظهم على أن الأرض تُنقضْ من تحت أرجلهم، بناءً على التغول الغربي الجديد، بعد قهر الشعوب، ودعم دورات الاستبداد من جديد، لابد أن يقف مع الأخطاء الذاتية، في تعبئة الشباب بمصطلحات، يترتب عليها التكفير أو التضليل أو القطيعة الشاملة، مع منتجات الدولة المدنية المعاصرة.

وأولها:

أن الدولة المدنية ليست مقابلًا مواجهًا للشريعة الإسلامية، حتى لو لم يُغيّر النص الدستوري، الذي ظن وَهمُ أولئك الشباب أنه سيؤسس دولة الإسلام الكبرى !

إنما المهمة الضرورية هي أن تتحول قواعد الفكر الإسلامي، إلى منهاج مقاصدي، يجمع بين آليات الأدوات الدستورية المعاصرة، وبين روح المنهج الإسلامي العدلي، وصفات الاستقرار الإيماني، التي تُنظّم حرية الفرد، وسمو روحه، وتعترف بحجم الاختلافات الواسعة، مذهبيًا وفكريًا واعتباريًا واجتماعيًا، وتنظمها في الدستور الموحد، الذي يُعزز استقرار المجتمعات والحريات، ويحترم كليّات الشريعة، وهوية المجتمع.

وأول أسس هذا التصحيح، الايمان بانه لا استقرار ولا سِلم، ولا معبر حضاري للمسلمين، دون دولة مدنية، ولا يمكن أن تقوم هذه الدولة المدنية دون عقد دستوري جامع.

والقول بأن الاستبداد، يتغول على الدولة المدنية والحقوق الدستورية، رغم اعترافه بها وقيام نظامه عليها،
قولٌ صحيح،

لكن ذلك لا يعني ابداً تبرير حرب فكرية لا نهاية لها، مع الايمان بمشروع الدولة المدنية لكل قطر، والميثاق الدستوري لها.

ويُطرح هنا سؤال :
أين الدولة المسلمة الجامعة، أين القوة المانعة للأمة، كيف تتحول الى أمّة ذات قُدرة على صد الظلم عنها ؟
إنه مطلب مشروع وواجب، لكن الأزمة كائنة في رهنه بفكرة الدولة الإسلامية العقائدية الشرائعية، ولدينا نموذجان منها : نموذج استوعبه النظام الدولي، دون تحقيق أي مساحة مهمة، لصالح التقدم المدني للمسلمين وقوّتهم، ودون صد أي هجوم عليهم !
بل العكس، أصبح محل استقطاب، وصراع داخل الشرق المسلم، وهما “المملكة العربية السعودية والجمهورية الإيرانية”.

ولقد عايش الإسلاميون أنفسهم، النموذج الآخر للدولة الشرائعية العقائدية، وهو نموذج التمرد والحرب، من داخل أرض المسلمين على المسلمين والمحتلين معاً، لكن عبر فكر السلفية الجهادية وفروعها، ورأى الجميع مصير التبشير بهذه الدولة الشرائعية.

كيف هي أحوال المسلمين بعد حروبهم؟

أين الشعوب، أين الحريات؟

هل كانت مشاريعهم، جسرًا لتفتيت أسوأ ، وإستباحة لحقوق اجتماعية وفكرية وأخلاقية، عزّزها التطرف الغربي ؟

وهل أنقذت حروبهم شعبًا مسلمًا واحدًا، أم كانت وبالاً عليه؟

هنا لا بد من أن يعود، كل شيخ أو داعية أو شخصية حزبية إسلامية، لدفاتره القديمة، ثم يُراجع أقواله في مسارين، ماذا صنع الموقف في بلده من الدولة المدنية والدستور، وما هو المآل اليوم، وهل عطّل مصطلح الدولة المدنية، جوانب إيجابية يراها في بعض التجارب كتركيا وماليزيا، والبوسنة والهرسك، وغيرهم !

إنّ القبول المبكّر بالمصطلح، حقق الشرط الأهم، وهو شراكة الإسلاميين، مع مواطنيهم وصُنع وطنهم بدلاً من مطاردتهم.

أمّا المسار الثاني، كيف ساهم ذلك الخطاب الإسلامي، في تحشيد بلدان الأزمات والحروب كأفغانستان والصومال، وما الذي فعله هذا الفكر في ثورة سوريا والعراق، وغيرهم، واستخدامه في بقاء تناسخ التدمير، ولُعبة الأمم، التي ترفض وقف النزيف وحقن دماء تلك الشعوب، وتنفسها للحرية !

كيف ننظر الى تجربتي الصومال وأفغانستان اليوم،
بين كابل الغريقة ومقديشو الناهضة الجريحة، وواقع المسلمين الدموي المروع، والضحايا التي لا تقف مسيراتها؟
إن المخرج للقوة الأممية، لن يتحقق دون معالجة خلل اقطار العالم المسلم، والدفع به للنهضة، والشراكة الاقتصادية، وكفاح الحريات والمبادئ الدستورية، وهو ضرورة بلا أدنى شك، لكن دون أن تذهب الأوطان والأمم، في حروب باسم أمة الشريعة، بعد أن هدم الاستقرار في كل قطر برفض الفريضة