مكتب دراسات الشرق الاسلامي

حركة مصر الوطنية..الخروج من الصندوق

حركة مصر الوطنية .. الخروج من الصندوق

 

مهنا الحبيل

 

من أهم العوامل التي تُفضِّل الباحثين ، الكاتب: محمد عبد الحفيظ.

    و ذلك ما واجهه الزعيم الوطني الكبير، احمد عرابي، من الانجليز ثم من الأستانة، بإعلانه عاصيًا في الأممية، و في ذراع كفاحه للتحرير الوطني لمصر، وما واجهه المفكر الملهم السيد جمال الدين الأفغاني، من الأستانة من بعد ما يتوقف الخديوي والانجليز قرار طرده وتشريده ، بعد أن أيقنوا أن رياحه الفكرية الإسلامية ، تبعث تنويراً مختلفا تقوى بها حركات الكفاح والنهضة للشرق.

  ولقد شرح أ. الهامي إشكالية، الضغط الدولي على السلطان عبد الحميد، الذي جعله في حالة شكوك واضطراب، ساهمت في فقدانه الثقة، وحالة الشك التي هيمنت عليه، وجعلته مناوئاً لدعوات الإصلاح، التي سعت جاهدة لمعالجة تخلف الدولة العثمانية، وانتشار الصراعات والانقسامات في مناطق عديدة منها، بين الأهالي وبين سلطات الأستانة، وفي كل تلك الأحوال، كان الغرب، الذي ورث هذه المساحة الكبرى من الشرق، وأعاد تخطيطها وتقسيمها، لاعباً حيوياً، في مستقبل المنطقة السياسي بل والفكري.

  ونتوقف هنا عبر الذاكرة الوطنية، مع حملة اعتقالات نظام السيسي، لشخصيات الفكر الوطني، حتى الذين اختلفوا مع الإخوان، وسعوا إلى مدنية الدولة كسياج يعزز الحقوق الدستورية، ويجمع القوى الشعبية، أمام لعبة الأمم التي انتبهت مبكراً لمصر، وناب عنها المال الخليجي الآثم، وحتى هذه الاجتهادات، التي أخطئت خطأً فادحاً، في 30 يونيو حين استثمرتها مجنزرات الجيش، باسم الهتاف ضد المرشد، حتى سحقت كل آمال ثورة يناير اليوم، تحت دماء شهداء رابعة.

  وهنا قضية توقف مركزية، في إعادة صناعة الثقة، بين أبناء الحركة الوطنية في مصر، من وطنيين علمانيين واسلاميين، فلعبة التاريخ، تتكرر بين استقواء مستبد الداخل، ومصالح الأمم والاقليم، وعليه فإن حسابات تصعيد السيسي، ستظل تحت مراقبة النظام الخاص في الجيش، والذي تحدثنا عنه، في مقال سابق، بحيث يعود للتحرك، لو اتسعت خروق السيسي على رقعة مصالحهم.

  ولن يكون البديل للجيش، في موقع العودة قطعاً، شخصية موالية للضمير الوطني المصري، ونداء الحريات، وإنما المقصد، أن تكون أي حركة من الجيش مستقبلا متوقعة ومفهومة، وما هي مساحة التقاطعات، التي ممكن أن تخدم الحركة الوطنية في مصر، في إعادة آمال النهضة والحرية.

  غير أن المساحة التي يجدها السيسي حتى اليوم، من حيث وجود حشد، من الكومبارس السياسي والإعلامي، واستمرار تدفق المال الخليجي، والرضا الاستراتيجي للبيت الأبيض، خاصة في ظل حماس السيسي، نحو علاقة استراتيجية اقوى مع تل أبيب، وسحق فرص المستقبل المقاوم لفلسطين، وقوة هيمنة إعلامه على الشارع المصري، تدفعه لمزيد من القمع، الذي لم يصل اليه نظام مبارك مطلقا.

  واعتقال د. عبد المنعم أبو الفتوح، ومن قَبلَه، هو مؤشّر لمضي هذه الترسانة، غير أن المشكلة المركزية، هو سؤال تنظيم الصفوف للحركة الوطنية في مصر، التي اتحدت قديماً على نداء الحرية والاستقلال عن إرادة الأجنبي، وتحقيق معادلة الكرامة والشراكة الشعبية، التي تنتخب رئيسها وحكومتها.

  وهنا يبرز بالضرورة، قضية الحاجة الى الخروج، من كل مآسي صندوق الأزمة وطرق تفكيره، وأوله الخلاف بين من أخطأ في 30 يونيو ومن قدم شهدائه في النهضة ورابعة، فاستمرار أزمة الثقة لدى هذه الأطراف، هو مشجع رئيس لغلواء السيسي وداعميه، وتاريخياً، لا يُمكن أن يتحقق أي نوع من المفاهيم المؤسسة، لمشاريع نضالية وحرية وطنية، دون تفاهمات استراتيجية وتحالفات عملية، وهو العنصر الغائب في حراك المعارضة.

  وهنا الاشكال يتعزز، في حصر مشروع المعارضة، عبر الاعتماد على المنصات الإعلامية، دون خيارات على الأرض، أو ندوات سياسية كبرى تجتمع في الخارج لتعيد بعث خطابها الوطني، من الإسلاميين والعلمانيين، فتدشين قاعدة قبول لكل من يساهم في مسيرة التصحيح، سيساعد على دفع المجتمع لطريقة جديدة، أمّا استمرار الملاعنة والشماتة، والوعظ بين فريقي 30 يونيو الذين يسحقهم السيسي اليوم، وفريق الاخوان وحلفائهم، هو بذاته سلاح فتاك مجاني سُلم للسيسي.

  الأمر الآخر، هو إعادة التفكير والتفكيك، لقضايا أثّرت على الساحة المصرية، في اتجاهين، وهما أولاً:

 الرومانسية التي عُبأ بها خطاب الثورة، وهذر ممثليها المتعددين،عن مثاليات مقدسة، بمجرد تنحي مبارك، وعن واقع التجربة المرة، وما أنتجته من تحديات صعبة.

    والتي أظهرت تخلخل الصفوف، وأن هذه المقدسات الثورية، لم تكن إلا هتافات نرجسية، تهاوت عند كل خطط العسكر، والأخطر هي أن هذه النرجسية التي سادت في صفوف العلمانيين في مصر، كانت ضمن خارطة التفعيل، لدحرجة قرار تصفية حركة يناير، حتى قضت عليها في الواقع السياسي.

  أما الأمر الآخر، فهو سؤال اسلاميي مصر القومي، هل استمرار الوضع المتاح في تركيا أو قطر، كمنصات إعلامية قوية، واعتماد الشعلة العاطفية، يمثل حالة خروج من الأزمة، أم أنه جزء من الأزمة ذاتها، ليس لمشروعية استغلال هذه المساحة، فهذا أمرٌ طبيعي، ولكن لطريقة استثمارها السلبية، والتي لم تتغير منذ خروج الاخوان والآخرين للمهجر.

    فماذا لو فرضت ظروف ما بعد تسوية أزمة الخليج، في الربيع القادم وضعا مختلفاً، اضطراريا أو مصلحيا تكتيكياً، للدوحة ولأنقرة، هل هناك إعداد استراتيجي لهذه المرحلة؟

  إن هذا الوقع يعقد المشروع الوطني لمصر، في الرؤية الإسلامية، ويعيد التساؤل الكبير، ألأراضي، والسفينة الإصلاحيين، الذين تمردوا على صناعة الخليج السلفية ، والتقاء الجميع مع عهد جديد لإخوان مصر ، يفصل الدعوي عن السياسي ، تابع اطلاق مشروعاً اجتماعيا محلياً ، يتحد فيه مع العلمانيين الوطنيين.

أن تكون مثل هذا الفكر والمشروع ، والخروج من قضية التمسك بعودة ، والرسالة الأزمة إلى أفق الحل.

 الجزيرة نت