مكتب دراسات الشرق الاسلامي

العلاقات التركية السعودية..إحتراق أم إختراق

 

 

العلاقات التركية السعودية.. احتراق أم اختراق؟

 

 

مهنا الحبيل

_________________/////////_______________

جاء نبأ قبول ولي العهد السعودي، لدعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والتي حملها رئيس الحكومة التركية السيد بن علي يلدرم، في اتجاه مختلف، عن اللغة المتوترة المتصاعدة، من الرياض ضد تركيا، ورغم أن الرئيس التركي اشتهر بحضور خطاباته العاطفية، التي أثارت بعض الإشكالات المعقدة على السياسات التركية، إلّا أن الرئيس نفسه، يتمتع بحراك براغماتي واسع، من خلال مواقف يتواصل فيها في زمن دقيق، أو من خلال فريقه الخاص.

في كل الأحوال يبدو أن هذه الزيارة هدّأّت التوتر، وخرجت من لأواء الشراسة الإعلامية التي لا تزال قائمة، من طرف الرياض، سواءً بسبب موقفها التحالفي الاندماجي القوي مع أمارة أبو ظبي، أو طبيعة اللغة التي تصاعدت تزامناً مع الأزمة الخليجية، مما يطرح سؤال مهم،هل الزيارة ستتم قريباً، وهذا مرجح، وإذا جرت هل ستحقق انعطافة كبيرة، في علاقة الدولتين المركزيتين في الشرق الإسلامي.

وهناك ميزان مهم اتخذته قيادات العدالة منذ صعودها، بأن تحافظ على شعرة معاوية مع الرياض مهما بلغ الخلاف، وبالتالي ممكن أن تُفهم هذه الدعوة، لتؤكد أن الرياض، مستبعدة في مواجهة أنقرة الأخيرة مع ابوظبي، والتي يبدو أنها انكسرت حدتها، ولم تتحول لأزمة دبلوماسية، ولا حتى إجراءات عقابية، إنما رد إعلامي حازم، لعل أنقرة اكتفت به، ليوجه رسالة حادة لأبو ظبي، القوية في منظومة الاقتصاد التركي، وذات الاستقطاب المؤثر فيه.

وبالتالي ما جرى هو عملية استباقية، لأي تصعيد يحرق ما تبقى من جسور بين العاصمتين، ومنذ أن صعد ولي العهد إلى مدارات الأحداث، بعد تولي والده العرش، كان هناك تواصل استراتيجي بينه شخصيا وبين أردوغان، حيث فضلت أنقرة أن تستمر جسورها، بين طرفي النفوذ، ولي العهد السابق وولي العهد الحالي.

لكن منذ اقصاء الأول بدأت الأمور بالتوتر، إثر متابعة الرياض لموقف ابوظبي من تركيا العدالة، وكل توتر يجمعها مع الإسلاميين السُنّة في العالم، من مدارات صراع معقدة، ثم جاءت الذروة في التوتر، بعد قرار أنقرة المساهمة الجدية، في منع العمل العسكري الذي هُدّدتبه الدوحة، حيث أطلق الاعلام السعودي، حملة شرسة جداً على الشخصية التركية والحكم الحالي.

وهذه الحملة لا تزال، غير أن الرسالة الأخيرة، تشير إلى أن ولي العهد السعودي، تجاوب مع هدنة ضرورية لدولته، وخاصة في موقعه الذي يتحكم كليا بسياسات الدولة، ومستقبل صعوده المتوقع للعرش السعودي، خلفاً لوالده أو تفويضا منه، وستبقى الشكوك قائمة، في ظل هيمنة شخصيات محددة، على مفهوم السياسة الخارجية والاعلام، الذي تورطت به السعودية، خارجياً مؤخرا.

كلغة عنصرية لها جذورها داخليا مناطقياً ومذهبياً وعنصرياً، تحولت خارجياً كاشتباك إعلامي، مع كل دولة تخالف سياساتها، وبالتالي هناك دهشة وغياب للثقة، في أي خارطة مصالح موضوعية، يُقدم عليها ولي العهد السعودي، قبل تنحية هذه المنصة، وعودة فريق موضوعي للسياسة الخارجية، تساعده في مغادرة مربع الأزمة مع قطر وغيرها.

وقد يكون ذات الملف المشتبك، في أزمة السياسة الخارجية السعودية، هو المدخل مع أنقرة، خاصة إن كانت أنقرة، بلّغت مخاوفها من تهديدات جدية، رصدتها تركيا لمستقبل الدولة السعودية وتقسيمها، وأن أنقرة وهذه مسألة أدركتُها مباشرة من خلال موقعي، قلقة جدا من مسألةسقوط الدولة السعودية، كونه مقدمة تهديد لسقوط تركيا، بحسب قناعات المسؤولين الأتراك.

وأما جدول المصالح التركية السعودية، وحاجة كل منهما فهو قائم وواسع، وبالتالي هل أراد ولي العهد السعودي، أن يعطي رسالة إلى المحيط الإقليمي، أنه يتعامل واقعياً خلاف سياسات فريقه الإعلامي، ولو على الأقل في بحث الحد الأدنى، من صفقات المصالح، هذا راجح هنا، وقد يمثل له نوع من بناء الثقة الجديد، مع تركيا كمحيط إقليمي.

ورغم الخسائر، التي تعرضت لها السعودية مؤخراً، عبر التقدم الإيراني واستعدائها لدول عديدة في المنطقة، إلّا أنّ أنقرة، لا تريد أن تُحسب على تحالف استراتيجي مع إيران، على حساب العمق السُني الذي يوليه الرئيس أردوغان اهتمام خاص، كقاعدة سياسية هي ضمن فكرة عودة الدولة التركية الاسلامية الجديدة.

وسواءً أُنجز اتفاق سوتشي الذي لا نعرف، هل عودة حديث الرئيس التركي عن استحالة بقاء الأسد اليوم، مقدمة للانسحاب منه، أو تعبيرات خطابية لن تمنع من انجاز الاتفاق، وتزايدت الشكوك كثيراً، بعد سماح أنقرة، لقوى المعارضة السورية الميدانية والسياسية فيها، التعبير عن رفضها للاتفاق الذي باركته تركيا سابقا.

وهنا نلاحظ أن أنقرة، بعد انهيار مشروع الانفصال السوري الكردي، وتصدع العراقي، تبدو أكثر ارتياحاً، وحتى الاضطرابات الإيرانية قد تصب في صالحها، لإضعاف مصالح موسكو وطهران امامها، فما الذي يعنيه الرئيس أردوغان بحديثه الجديد عن التقسيم، من يقصد به؟

هنا مدخل آخر للعلاقة مع الرياض، وأوّله أن تطرح وحدة للموقف بين منصتي الرياض وأنقرة، أمام سوتشي، بمعنى يكون هناك اتفاق ضمني على خلاصة موقف بين الرياض وأنقرة من اتفاق سوتشي لتعديله، أو لاستبداله من خلال تحالف ثنائي، يتفاوض مع موسكو، وتعود حلقة البحث الإقليمي، التي انقطعت في ملفات مصالح أخرى، وإن كانت لم تحقق أي اختراق سابقا.

وأمام كل الملفات الإقليمية، سيبقى أن أنقرة تريد وقف سلسلة الحرائق، في علاقتها مع الرياض، والعمل على اختراق الأزمة بعودة مصالح إقليمية، تعزز تثبيت علاقتها بالسعودية، ويبقى السؤال القائم، إن كانت الانهيارات في المشهد الإقليمي، ستساعد الرياض على الخروج من ربقة الاتفاق الاندماجي مع أمارة ابوظبي، أم سنشهد انتكاسة جديدة، بعد زيارة ولي العهد لأنقرة لو تحققت قريبا.

وربما نموذج التعاطي السعودي الجديد مع اليمن، يفتح نوعا من التفكير مختلف للرياض مع أنقرة، وبالتالي هناك احتياج مهم، لإعادة تموضع جديد مع تركيا، بدلاً من حرق السفن معها، وهي ملفات تمتد أيضاً الى مصر، التي ممكن أن يَخلق وجود شفيق كمهدد ضمني أو إثارة للشارع السياسي، موقف قاهرة السيسي الذي بدأ بعث رسائل حذرة، لعلاقة جديدة مع أنقرة.

والذي قد يتحقق حتى دون مشاركة السعودية، فهل سيتم ضمن مراجعة القرار السعودي، بحث ملف مصالحة نسبية في مصر، وإن كان السلوك الإرهابي للنظام، ضد الرئيس مرسي والاخوان ومعتقلي يناير، لا يزال في أسوء حالاته، عموماً الاتفاقات أو المدخل لها، لا تنتظر دائماً الظروف الإنسانية الأفضل، ويبقى الأمر وارداً.

ويبقى هناك ملف سيتم التعامل معه بسرية بالغة، وهو ملف الأزمة الخليجية، وخطة السعودية في استهداف قطر، فليس من المعقول أن يتم لقاء أنقرة دون أن يُبحث هذا الملف، وقد يكون مواصلة فريق ولي العهد السعودي الإعلامي، خطاب الملاعنة الكريه جزء من الضغط الأخير، قبل حصول اتفاق، ينهي الأزمة، وتخرج به السعودية، بصفة ودية الطرف غير الخاسر ولا المنتصر، تنظمها أنقرة، وإن كان هذا لا يضمن لأحد، بعد جرد الحساب الصعب في الأزمة.

ويلتقي الملف القطري، مع بعدين:

الأول استنفاذ تأثيرات قضية قطر، على الشأن الداخلي السعودي،والثاني القناعة العملية، أن بعض قائمة المطالب تعجيزية، ولم تعد صالحة للمفاوضات، ولكن الرياض تريد أن تضمن بعض المصالح، الإعلامية والسياسية مع قطر، بعد هذه الرحلة الصعبة، التي كيّفت فيها قطر نفسها على استراتيجية، طويلة المدى، وباشرت الانتقال لها.

وعليه ستكون أنقرة هي الطرف المناسب لتحقيق اختراق، يبني على جهود الشيخ صباح السابقة، ويعلن فك الاشتباك عبر العودة للوساطة الكويتية، بعد أن تكون تركيا حققت اختراقاً نوعيا لها، فتتوجه الرياض الى ملفاتها الصعبة الأخرى، وتكسب عودة تحالفها مع أنقرة في الزمن الأخير، ويبقى الجزم بذلك أمرٌ صعب، لطبيعة العهد السعودي الجديد، إلا إن كان الأمير السعودي، قد قرر إطلاق مسيرة تصحيحية، يدخل بها عهداً جديد.