مكتب دراسات الشرق الاسلامي

هيا الشطي ورحلة العِقد اللدُّنِّي

            هيا الشطي ورحلة العِقد اللدُّنِّي

مهنا الحبيل

كانت والدة هيا الشطي في مساء يوم كويتي جديد تصطحب ابنتها ذات الثلاثة عشر ربيعًا بسيارتها لحفل تكريم المتفوقين في حِلق القرآن.

الأسرة تختط خط التديّن المعتدل الذي يركّز على الجوهر قبل المظهر ، وتعيش الرابطتها الاجتماعية عبره مع الإنجاز العلمي والتقدم في عطاءات الحياة.

هكذا كانت السيدة والدة عبد الله الشطي وزوجها وأسرتها تعبر رحلة الحياة، ولكن أم هيا كنت تعيش خاطرة لا تكاد تغيب عنها، وهي مصطحبة هذه الفتاة الصغيرة الوردة المتفتحة في حديقة إيمان الشطي ومنهاج أسرتهم، يعاودها التذكر بهذا السؤال مرة تلو مرة. إنه يدور حول خبر تُصّر الفتاة الصغيرة على إبلاغ والدتها، وبأنه خبر وليس سؤالاً، ويزداد قلق السؤال إلى رحلة الحفل القرآني.. أُمي هل تعرفين؟ سأسكن القصر الكبير.. وتبتسم تعلوها السعادة..

لكن الأم المستغربة من السؤال الإخباري تقف بقلق، على الرغم من أن مستوى الأسرة الاقتصادي طيب.. ماذا تقولين يا ابنتي؟ لا يهمّنا القصر.. المهم الحياة الكريمة المؤمنة المطمئنة المجلّلة بالقيم ..الفتاة تُجيب دون ردّ على قضية القيم وتُصرّ على رسالتها: لا يا أمي.. سأسكن القصر الكبير.

يزداد القلق لدى الأم، فتُحدّث هيا بالأمر، يا ابنتي لماذا تُصّر شقيقتك الصغيرة على القصر الكبير.. أنتِ تعرفين منهجي، نحن لا نتعلق بأجواء التفاصيل المادية والثراء، أريد أختك أن تبقى في دائرة القيم، لا تهتم بهذه الأمور.. لكن سؤال القصر الكبير استمر، ولم تجد هيا جوابًا عليه..

وفي إحدى مراحل الطريق للحفل القرآني أصرّت الفتاة أن تُلبس والدتها العقد، وعند التفاف العقد كان هناك قدر يُجيب على كل الأسئلة، ويروي حقيقة اختيار السماء.. في هذه اللحظة تعرّضت سيارة أُم هيا لاصطدام من سائق مخطئ.. وفي لحظات اندفعت الفتاة الصغيرة من النافذة الزجاجية، فاخترق الجرح قلبها وفاضت روحها إلى السماء.. إلى القصر الكبير.

لا تدري والدة هيا عن سرّ الإيمان والثبات، ولا تعرف كيف تؤوّله. كل ما تذكره أنّ الفتاة كانت في حضنها، وقد أسلمت الروح والسائق الآخر يبكي تأثّرًا، وهي تردّ عليه: اذهب، عفا الله عنك.. لا نريد منك شيئًا..

إنها قصة القصر الكبير.. لم تُخطئ الفتاة، ولم يتأخر وعدُ الحق اللدُنِّي. إن الإيمان اللدُنِّي هو ذلك الانصراف والتسليم للملأ الأعلى ومقاديره، وله جلّ في علاه آياته الكبرى يصطفي بها من يشاء. هكذا كانت المشاعر في جنب الله تحيط بالسيدة المكلومة على فتاة القصر الكبير.

تقول هيا: سيطر الحزن على حياتي ستة أشهر، لا أعرف من الدنيا إلاّ الدمع على شقيقتي الصغيرة والتنقل من المنزل للعمل، لكن العِقد اللدُنِّي كان مستمرًا، وكأنه يهيئ هيا الشطي لمرحلة كبرى من رسالة السماء ومهمة الغوث والإنقاذ الإنسانية.

تعرّفت هيا على قوافل الإغاثة لغزة وهي تحت الحصار المجرم، ومشروع رمز فلسطين الكبير المناضل العظيم جورج غالوي، فقررت هيا الانخراط مستأذنة أهلها، و على الرغم من صعوبة اللحظة- إلاّ أن إيمان العائلة أن الله مقدر الحفظ ومقدر البلاء فعليه الاعتماد جلّ في علاه- فقد وافقت لها و كذلك شقيقها، واختطت هيا رحلتها التي كتبنا عنها سابقًا لنجدة غزة وأطفال غزة إغاثيًّا، وكانت الرحلة مدرسة كاملة لإيمان المبادئ وكفاح الجسد لنصرة المحرومين، وسلّمها الله وعادت للكويت ولأهلها.

وعلى الرغم من أن هيا شاركت في الإعداد لأسطول الحرية مرمرة التركي إلاّ أنها -وباتفاق مع الأهل- قرّرت عدم المشاركة لموقف مُتفَهّم جدًا من أهلها.. ولكن قبل ساعات أتتها الموافقة من الأسرة العظيمة دون إلحاح لتربطها من جديد برحلة العقد اللدُنِّي، وكلنا يعرف قصة أسطول الحرية وجريمة الصهاينة والشهداء. أكرم الله هيا والمتطوعين العرب أن يكونوا ضمن ذلك الوفد الإغاثي الذي قاوم الصهاينة المعتدين مدنيًّا، وسجّل عليهم أكبر صفحات الخزي في حصارهم لغزة وقتلهم للشهداء الأتراك في مرمرة سفينة المجد والنصرة.

كانت هيا تروي هذه الحكاية حين تشرّفنا باستقبالها في منزلنا بالأحساء المحروسة، حيث كان الاحسائيون يتطلعون للقياها، وكان الملتقى النسائي معها قصة لا يغادرها الزمن لذاكرة هيا الشطي ورحلة الكفاح التطوعي، سعدتُ بابنتنا هيا وزوجها الشاب الابن أحمد العبيد الذي اكتشفتُ فيه روحًا وثّابة وتوازنًا معرفيًّا وعزيمة إصرار لذات الرسالة والمهمة التي كانت ضمن عوامل جمعهما في رحلة الحياة.. لكن لهيا وأحمد قصة أخرى..

لقد بدأت هيا وأحمد رحلة الانطلاق للعمل التطوعي النوعي الإغاثي المؤسس في المناطق المنكوبة في العالم الإسلامي بالتعاون مع هيئة الإغاثة التركية، المتميزة في منهجية العون وصناعة التطوع والبرامج الكفيلة بتهيئة القدرات الذاتية لهذه المناطق، للنهوض بمسؤولية مواجهة الكوارث، ودعم هذه المناطق بتواصل مكثف مع التنسيق مع المنظمات الإنسانية المستقلة عن الأطماع الاستعمارية، مستفيدين من التجربة الناجحة للتعاون الذي قدم صورًا رائعة لشخصيات غربية متطوعة من إخواننا مسيحيي الغرب واليساريين المناهضين للصهيونية، الذي كانوا -وبحسب شهادة هيا وغيرها- قمة في التضامن مع غزة، والصبر على ظروف الرحلة، ومع قضايانا المصيرية.

و على تعلم من تلك هذه المهمة للرابطة المناضلة للشرق الأوسط والخلفيات ، أو الرأي العام في الواقع الإنساني في فلسفة جديدة في مجال الفلسفة والتوجيهات العامة، جربها أشقاؤنا الأتراك ، وحقّقتهم اختراقًا كبيرًا لأجل قضية فلسطين ..

سألتني هيا وأحمد في ختام رحلتهم الأحسائية: هل تندم على ذلك؟ قلتُ لهم: كلمة واحدة .. ثقة بالله وإيمانًا بشبابنا من كل التوجّهات .. أجزم بلا تردّد ..

إنها روح الارتباط بمجد الإنسانية وبعقد الروح اللدُنِّي.