مكتب دراسات الشرق الاسلامي

ملخص محاضرة الفكر المدني في فقه الشريعة

خُلاصات من ورقة أستاذ مهنا الحبيل الفكر المدني في فقه الشريعة والتي قًدِّمت في ندوة مشتركة حول الفكر المدني في الفقه الإسلامي وتجربة تركيا مع د. محمد زاهد جل في مدينة غازي عنتاب _ مارس2016

 

مقدمة عن واقع الفكر المدني:

بدأ أستاذ مهنا الحبيل بتمهيد أنه يطرح أفكاره من خلال انتمائه للفكر الإسلامي ولا يتحدث من باب الأفكار الإنسانية المتعددة وأكد على ضرورة أن يتضمن برنامج المراجعات الفكرية النقدية التجديدية للحركات الإسلامية ،الموروث المعاصر من تجارب التيارات الأخرى (القومية ،اليسارية والإشتراكية) لصياغة المعرفة السياسية القادمة ،ويرى بعمق المُشتركات مع المسيحيين العرب وغيرهم بحكم العلاقة التاريخية الثقافية المشتركة معهم ،كما يدعو لمد جسور الود والتواصل بينها فقد فتكت القطيعة بالوطن العربي ، وقال بأهمية ،عملية التكامل بين التيارات حتى في بناء الفكر الإسلامي ،اذ يُمكن الاستفادة من خبرة التيارات الأخرى في البناء الحديث.

عن سؤال أين الفكر المدني الإسلامي اليوم ؟
يقول أ الحبيل:إن مكتبة الفكر الإسلامي اليوم تُصيب بالصدمة من حالة الفراغ التي تعيشها ،هذه الصدمة عامة تُصيب الكل ولكنها أكثر لأبناء الحالة الإسلامية نفسها وأن عقلية صناعة الفكر المدني لم تجد أرشيفًا تبني عليه وإن كان الأزمات الحالية التي يعيشها الشرق الإسلامي بدأت بإيقاظ فكر التجديد والنقض ،ونحن إذ نستدعي هذا ليس للوم أجيال سبقت وإنما لبيان الفراغ والقصور كشاهد نعيشه الآن ،
أما عملية التجديد فقد تمت محاصرتها بجملة إشكالات تسببت في أزمة تفكير لذا لم تُنتج أرضيةً صلبة ويمكن حصرها في طرفين:
-الأول من داخل الحالة الإسلامية نفسها وهذا يُمكن تفريعه الى:
١/ مساحة التجديد جُرّت عنوةً لإستدعاء أقوال علماء وفقهاء فضلاء وتدوينات من التاريخ وتم إعتمادها بصورة لازمة ،والتجديد اليوم يقتضي إيقونيات تفكير وعقليات معاصرة تعتمد على النصوص مباشرة أو على التجارب البشرية الرشيدة التي تمت تزكيتها،مختلفة عن السابقة التي لا تملك قاعدة تصلح لأن يُصنَع منها مسارات دستورية أو مجتمعية بروح اليوم كما أنها ليست لازمة لإستدعاء فقهها الدستوري،خاصة تلك المرحلة في التاريخ التي تتسم بالحكم الإستبدادي أي الفترة الممتدة مابعد العهود الراشدة (والتي بها الكثير من الأسس الصالحة للبناء عليها )وحتى نهاية السلطنة العثمانية باستثناء فترات بسيطة أشهرها فترة حُكم عمر بن عبد العزيز
وهذا احد إشكالات الفكر الإسلامي ولابد من التخلص من هذا الإرث قبل البداية من جديد وعدم الرجوع دائمًا لكتب التراث وعصرها بمواد حديثة وإنما الاستفادة من المدلولات العامة وإعادة التفكير بنُظم حديثة فالدين الإسلامي بإعتباره خاتم الرسالات ،يعني أن شريعته صالحة لكل زمان ومكان ،وتظل القضية هي كيف نستنبط تشريعات حيوية لهذا الزمن وهذا مهم لأجل المشروع الذاتي للانقاذ الفكري الإسلامي وأيضا من اجل الحِراك الثقافي العربي إجمالًا.
٢/إعتمادهم على فتاوى مرنة ،ولم تكن أحكام قطعّية في دين الله عزّ وجلّ لذا تم التشويش فترة من الزمن بالحديث عن شريعة إسلامية ولم تكن قطعية الدلالة،
كما ان جزء من هذه الفتاوى كانت تخضع للحكم المستبد ولا عبرة لهذه العهود كمرجعية للفقه الدستورى مع حفظ دور هذه الفترات الحضاري والتنموي
٣/إنتخبت الحالة الإسلامية مجموعة من الفقهاء والمشايخ واعتمدت أقوالهم فقط كمرجع لها والفقه الإسلامي واسع ومتعدد المدارس وبه مدونات ضخمة يمكن الرجوع اليها في فقه التفكير الدستوري ،بجانب الكثير من الكوارث موجودة في الفكر الإسلامي وحتى القومي ،خاصة في الفترة من ١٩٦٠ وحتى قيام الثورات العربية.
-الطرف الثاني في أزمة التفكير هو الطرح الدولي القوي جدًا على الحالة الإسلامية وفرض نموذج للديمقراطية ،وهنا لا نعني رفض مساعدة المُجتمع الدولي لدول وشعوب الشرق المسلم للوصول الى مُتطلب الحكم الرشيد وإنما المشكلة في النموذج المفروض والذي يُجابه بتحفظ من المجتمع العربي ويمكن تفهم هذا التحفظ في ثلاثة محاور :

١/مشكلة المصطلح إسلام ديمقراطي أصبحت تُقرن بنماذج غير مُرضية
٢/الإرث التاريخي القريب لفرض النموذج موجود في ذاكرة المجتمع العربي وآثاره ماثلة الى اليوم فما حدث من تبعات في العراق للتدخل الأمريكي في عهد بوش من فضٍ لعُرى الروابط الاجتماعية للطوائف ،لم يحدث حتى في اكثر العهود استبدادًا من الحكام العرب.
٣/ الواقع الذي نعيشه الآن ماثلًا أمامنا في سوريا والسماح للتدخل الروسي بهذا العنف للحفاظ على النظام وكيفية إختطاف الثورة من أبنائها.وقس على ذلك أمور أخرى مشابهة
كما ان شعوب الشرق لديها إرث حضاري عميق وضخم ولا يمكن فصله من وجدانها ولا يمكن سلخها من إنتمائها حتى تعيش نموذجًا للديمقراطية مفروضًا عليها ،وقد نجد ان اقرب نموذج يمكن الاقتداء به هو الموجود في أمريكا اللاتينية ،ولذا لابد ان يكون هذا السؤال الكبير ماثلًا دائمًافي كل محاولات الخروج من المأزق:
هل علينا إنتاج عملية ديمقراطية إنتقالية بما يناسبنا في الشرق أم حسب الوصفة الغربية ؟؟
هل المشروع السياسي الغربي للشرق مخلص أم غير مخلص ؟ فالسياسة وان كانت لا تتعامل بالنيات ولكنها تُفكر بالنيات
كما يجب علينا استحضار الواقعية في أن الحالات الفكرية تحتاج وقت حتى تنضج وتكوَّن مُخرجات الإنقاذ وهنا لا نتكلم عن تجميد الرأي حتى يُنتج الإسلاميون ما قصّروا عنه ،بل علينا عدم اغفال وتجميد فقه النوازل ،وإنما العمل على ميثاق إنتقالي يتفق عليه الإسلاميون وغيرهم للعبور الآني ،حتى إكتمال البحث المعرفي لكل الأطياف ،
ونعني بالميثاق الانتقالي صيغة تحفظ الضرورات الخمس المنصوص عليها شرعًا ،مع عدم مصادمة وجدان الفرد المسلم مع الحرص على عدم إعاقة الوصول للمخرج المناسب ،
كما ان الأعذار بوقف المراجعات بسبب الاستبداد الدولي او المحلي او حتى ببغي الخصوم أصبحت غير مقبولة ،ولابد من العمل الجاد لسد هذا الفراغ الكبير في مفهوم الفكر المدني والدستوري اليوم.

مرحلتان للفكر الإسلامي المعاصر لهما أثر في مسيرته :
١/حركة الإحياء الإسلامي
والمقصود بها خريطة واسعة من المفكرين والمثقفين وأيضًا من العلماء الشرعيين ،وكانت افكارها تتجه الى مساحة مفيدة من الخطاب الذي ندعو له اليوم ولكن في مرحلة انحرف هذا الفكر بسبب التحزب والجماعات واتجاه الفكر الى هذه المفاهيم المحصورة
٢/مرحلة الإنحراف الذي تعرض له وتسبب في أخطاء كبيرة ،وهذه المرحلة تُعزى لمسببين رئيسين
-التعبوية الدعوية، رغم أن معظم مفاهيم النهضة والقيم المصاحبة لها موجودة في أجندتها ،إلا ان الفكر سُجن من منتصف السبعينات وحتى منتصف التسعينات في فكر الجماعة وانشغل بالصراعات الحزبية وفي هذا تشترك مع الحالة الإسلامية التيارات الأخرى كالقومية مثلًا
-مفاهيم الصحوة الخليجية ،رغم إسهاماتها المتعددة في جوانب مهمة كبناء الجانب الروحي والتربوي الأخلاقي ،الا انها وبالفروع نقلت الصراعات الى داخل الحالة السنية وتقلص معها فكر الإنسان والنهضة.

الفكر المدني والدستوري:

نعني بالفكر المدني ،ما يُصلح شأن المسلم وشريكه الوطني أو الإنساني في فضاء صناعة الحياة ومشتركات التنمية.
والفكر الدستوري هو مجموعة النظم والقوانين وتقنين حقوق الأفراد والجماعات لتنظيم الدولة المعاصرة وتشريعاتها.
والمصطلح رغم أنه يرد كثيرًا إلا انه من الداخل الثقافي يُعتبر قاصر من ناحية معرفية واستيعابية حتى من أفراد الحالة الإسلامية نفسها،

قواعد ومعالم أساسية لفهم الفكر المدني والدستوري

١/سكوت المُشرِّع ،هو بذاته تشريع ،ولا أصل لإلزام باي تشريع غير قطعي الدلالة
مثال لذلك في السياسة الشرعية للإمامة الكُبرى:
-النبي عليه الصلاة والسلام ،سكت عن تعيين أبو بكر الصديق ،رغم أنه ندب عليه
-ابوبكر عين عمر ولم يُلزم به باعتبار ان تشريع الإلزام من اختصاص الأمة
-عمر إنتخب هيئة انتخابية
-الحسن بن علي تنازل لمعاوية وهذا حق سياسي
-معاوية بن يزيد ردها شورى للمسلمين
-عمر بن عبد العزيز قَبِل التوريث وطبق العدالة الاجتماعية والسياسية
نستنتج ان من يقول بحدية النظم الديمقراطية الحديثة مرود عليه بعد هذه الأمثلة.
ومثال آخر
إيجاد عقوبات لكل ما سكت عليه الشارع ،والتعزير يكون في مسائل كبيرة وليس ماتُرك باعتبار اختلاف الناس في أطباعهم ومشاربهم ،وفقه السيرة مليئ بمراعاة الاختلاف في المجتمع والتشديد على عدم متابعة العورات ،
وفي كل التشريعات توجد فئة محافظة ،لكن مانعنيه هنا ،ان هذا البند لا يُشرع له قانون في الدستور.
٢/أصول الفكر المدني في فقه الشريعة يكون بالمقاصد وسير الصالحين والعلماء المستقلين عن الاستبداد ،مع التركيز على ان من يتوافق مع الاستبداد،خالف منهج النبي عليه الصلاة والسلام ،قبل مخالفته لمنهج الحريات التي نطمح لها،
البحث في الفكر المدني يقود الى هذه الأصول
وفيها أربعة مشتركة مع التيارات الأخرى
١/العدالة الاجتماعية
٢/الحريات السياسية
٣/الرفاه الاقتصادي
٤/الحقوق الشخصية الرشيدة
ويختلف الفكر الإسلامي معها في
٥/ البلاغ الرسالي
وهذا إيمان راسخ عند كل مسلم بأنه مهمة له وقد يرتقي لدرجة الوجوب ولايمكن التنازل عنه فهو ركن أصيل في هويته .

الخنساء

مكتب دراسات الشرق

**

تنويه برابط الندوة على يوتيوب..