مكتب دراسات الشرق الاسلامي

المسجد بين الرسالة السياسية والحضارية

 

        المسجد ..بين الرسالة الحضارية والسياسية

 

مهنا الحبيل

في إحدى المدن الغربية استقبل أحد المساجد النشطة فيها، في موسم الانتخابات البلدية مرشحين غير مسلمين لعضوية الانتخابات البلدية ورئاستها، وهذا مشهد جميل، حيث بدأت فكرة التوجه للمسجد لكسب الأصوات المسلمة في الغرب، تتعزز لدى العمل السياسي الغربي، في التعامل مع المواطنين المسلمين لهذه الدولة أو تلك، لمخاطبتهم وسماع أسئلتهم والتجاوب معهم في همومهم، للحصول على التصويت الداعم.

وقد يَصدق المرشح أو لا يصدق، لكن بالجملة مسألة اللجوء لصوت الناخب المسلم في دائرته، قضية إيجابية مهمة، تحتاج إلى تقدير فكري، يعتمد مصالح هذه الجماعات المحلية المسلمة وظرفها، وبحسب الطباع والأعراف القانونية لدولة المواطنة الجديدة، ومن الصعب أن نحدد هنا مساراً واحداً لذلك فهذا التفصيل ليس مقصد المقال رغم أهميته.

وقد لا يتكرر مثل ذلك في المؤسسة الكنسية المسيحية، بسبب قوة الفصل بين الدين والحياة العامة، التي وصلت اليها أوروبا بعد صراع مرير، فهل حضور المسجد في الحياة المدنية للمسلم أو المجتمع الإنساني إيجابي أم سلبي؟

إن الجواب على هذا السؤال يوضع في شقين رئيسيين: الأول أن هناك طبيعة مختلفة لحياة التدين الإسلامي عن بقية الديانات، وهذا لا يعني انفصال الإيمانيات الكبرى ورسالة الأنبياء الموحدة، بين المسيحية واليهودية قبل التحريف وبين الإسلام.
فهنا رسالة الإسلام ضمن التكامل الإيماني، لخصوصية توقيتها في آخر مراحل الحياة البشرية، فهي الدعوة السماوية الخاتمة فورثت تعاليم الأنبياء، وفتحت باب التشريع الأخلاقي ومقاصد القانون والدستور القيمية، في الحياة الإنسانية.
وهنا المدخل الكبير لهذا الموضوع، القيم الحضارية والسلوك الأخلاقي، الذي يعتني به المسجد في أصل رسالته.

وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه مارس الموقف السياسي وإدارة الصراع، وتنظيم المجتمع من المسجد، كما أن ذلك قد تكرر في بعض النماذج الحاكمة التي تولت بعد النبوة، منهم الراشد ومنهم المسرف على نفسه، الذي اتخذ منبر الخطابة كزعامة سياسية جبرية، انتهت الى اعلان حروب وتكفير بين المسلمين، وتحريض على الصحابة أنفسهم فضلاً عن غيرهم.

وهنا وقفة مهمة للغاية، هل هذا يعني إذن فتح المسجد على الشأن السياسي في كل حين، ما دام أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعله؟
لا يشك منصف بالتحفظ على هذا الأمر، فحين لا يُضمن ولا يؤتمن الموقف السياسي، وحين تغيب خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم، عن المشهد والارث البلاغي، فإن الأمر ليس على إطلاقه في إدخال المسجد في الشأن السياسي، وبالذات إذا كان المسجد سيتحمل مسؤولية ضمنية، لدعم مشروع أو جماعة أو شخصية، غير مؤهلة للقيام بواجب الحق السياسي وشفافيتها مع العدالة الاجتماعية، فتفشل ويُثير موقفها أيضاً، انقساماً حاداً بين المسلمين في بلدانهم، وبينهم وغير المسلمين، لو كانت الشخصية المزكّاة باسم المسجد.

وليس المقصود هنا منع المساجد من الاستقبال الحيوي لشؤون المجتمع، كالعمل العام وتنظيم الحي، وبعض الأمور التي يساهم فيها المسجد في التدعيم الإيجابي لرسالته القيمية، لطبيعة حضوره في الحياة المدنية، وإنما الخطأ هو الإغراق السياسي وتخندق المحراب مع المنصة السياسية.
وهنا يتكثف الحديث عن الرسالة الأولى، في ظل عدم حسم الموقف من المظلة السياسية، ونقصد هنا الرسالة الحضارية وأنها هي الأصل، أما الرسالة السياسية فممكن أن تكون ضمن الرسالة الحضارية، حين تكون منابر المسجد، خارج موقع التحزب أو التجمهر العاطفي حول الشخصيات المتصارعة، وإنما داعم لثقافة الشراكة الشعبية في بلدان المسجد، والدعوة الى مصداقية الانتخابات والمرشح، وتحفيز الناس لتأمين أصواتهم، وصناعة قاعدة الحرية السياسية للفرد، دون أن يكون المسجد تكية سياسية مباشرة لمصلحة خاصة.
وهنا يظهر الفرق، بين توريط المسجد، وما يترتب عليه من علاقات بين المسلمين أنفسهم، وشرائحهم الوطنية الاجتماعية، وبين غيرهم في البلاد التي تختلط فيها مصالح الأقليات مع الأغلبيات، إنه مفصل مهم، حين يركّز على المعنى القيمي، ومنه بوابة الاستقبال بين الجمهور والعمل السياسي، لكن وفق قانون أخلاقي لا صراعي حزبي أو فئوي، فالأصل حين يتطرق الشك لنجاح رسالة المسجد السياسية، هو القاعدة المعروفة:
ما تطرق له الشك سقط به الاستدلال
فحين يُشَك بأن التوسع السياسي للمسجد سيؤدي الى أمور سلبية، فيجب أن يَسعى الوعي الإسلامي الى تجنب هذه المؤسسة العظيمة في تاريخ الإسلام، من عواصف الصراع السياسي، وآثار ذلك على تبغيض المسلم المعاصر لهذا المسجد، أو ذاك، لكونه قد أصبح قاعدة حزبية سياسية، وأن التكامل الإسلامي لا يعني ضرورة ممارسة الشأن السياسي من المسجد، بل منظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الاهلية، هي أيضا مساحة تمارس بها المواقف الإسلامية، ولكن وفق قاعدة المقاصد العدلية، التي شرحناها في مقالات الفكر المدني في الإسلام.
إن المهمة الأصلية اليوم هي رسالة المسجد الأخلاقية والحضارية، وهما بندان متصلان فالأخلاق وأسرة القيم هما بوابة الوصول للفكر الحضاري، ونعني بذلك عدة مسارات نلخصها في الآتي:
1- المسجد مؤسسة جامعة للمسلمين، تستقبلهم بروح ودودة لا تحقق في توجهاتهم ولا نواياهم، وتحتضنهم في سلك العبادة المشروعة دون تمييز، أو اشعار لمصلي أنه مختلف الدرجة.
2- الروح الودودة والأخوية في المسجد، تحتاج ان تكون مباشرة وغير متكلفة، تحقق مسألة التعارف والتضامن، دون أن يكون ذلك ضمن رابطٍ مذهبيٍ خاصٍ أو حزبي.
3- يكفل المسجد مساحة مهمة وحيوية لتضامن المسلمين، بل ولجوء غير المسلمين إليه في الحالات الإنسانية، وهي مسألة لا يُضمن أن يكون للمسجد فيها قدرة مادية، لكن على الأقل يكون له مندوب أو مكتب مؤهل، يستقبل حالات الناس ويسعى كوسيط في أعمال الخير المتنوعة.
4- المسجد القيمي المرتضى من الشرع، يدعم أي وسائط تحقق تقدم ورقي الحي والبلد، ورعاية أبنائه، ويكفل لهم مساحة تنسيق ومحطة انطلاق، تسعى لكسب مشاعر كل أهل الحي، والمجتمع المحلي اللصيق، فيسعى نوره بين الناس من قصد المسجد أو لم يقصده، كلهم سواسية في مراعاة مصالحهم وحقوقهم.
البعد الأخلاقي:
للمسجد بعداً أخلاقيا مهماً، ربما ضيّع جزء منه، أو لم يُعتنى به كما ينبغي في أدوار الزمن وخاصة زمننا المعاصر:
1- أوله إعادة تعريف وممارسة الأخلاق بين المسلمين، عبر تكثيف خطاب الأخلاق الذي يقوم على الإحسان واللين في أيدي الناس، ومراعاة آرائهم وطباعهم، وعرض فقه الشريعة بصورة يفقهها الناس دون أن يفتنوا، أو لا تدرك عقولهم ما يصدمهم به الإمام من ظاهر نص لم تَعبر عليه مداركهم.
2- الأخلاق المقصودة هنا ليست محاصرة الناس، وكأنهم بيوتاً مرشحة للرذيلة أو الانحراف، وإنما حسن التعامل وحسن الظن بينهم، والندب الى الفضيلة والعفة، وتوحيد المؤتلفين، وجمع المختلفين على سلوكيات البشاشة في الوجوه ورفض الإشاعة وسوء الظن، وطيب القول وحسن الحوار بينهم، وليس تحفيزهم بظنون الشك، أو التعبير الخشن بين اختلافاتهم أو طريقة تعاملهم مع من يختلفون معه.
3- القيم هي البوابة الكبرى لحسن صناعة ثقافة المسلم المعاصر، فالعدل مع الذات، ومع كل مسارات فكر الحياة، والإحسان للخلق، والتعبد لله بمصداقية الفرد مع كل الناس من خالفه ومن وافقه، وغرس هذه الشتلات في نفوس الأطفال، تعني أن هذا المسجد بدأ يزرع حدائق خُلق ووعي في أركان مجتمعه.
ومع دروس التنوير التي يقدمها المسجد لفهمهم لخطاب الحياة وتقلبات الزمان، وأين يقف المسلم بحضارته منها، فهو يساهم في تقليل مساحة التصحر، التي تخلقها اختناق المشاعر الشخصية بين المسلمين، وطريقة ادارتهم الفظة لخلافاتهم، وتشظي أحوالهم التي تفكك مجتمعاتهم.
4- وأهم نقطة فيما مضى أن يكون الفرد المسجدي، قمة في التعامل مع الناس وفي خُلقه وحسن ظنه، وفي تجاوزه، حتى يحقق معادلة التعبد الشرعي، ويعزز النظرة الإيجابية التي يحملها من حوله عن مؤسسة الايمان الرسالي، فيثبت في وجدانه حيث كان المسجد تكون الأخلاق.
وفي ختام هذا المقال، أدرك تماما ما تعيشه بعض المساجد من إشكاليات، وما يعانيه بعض الأئمة من نقص أساسي في فهم الحضارة ورسالة الأخلاق الإسلامية، في سلوك التعامل مع الآخرين من داخل المسجد وخارجه، لكن الهدف هو نقل مفهوم الحضارة الإسلامية الى تفاصيل أساسية، تُساهم في نقل المجتمع من مأزق التدين الجاف الجاهل، الى التعبد الروحي المخلص، في ثوب المؤمن القوي الرشيد.