مكتب دراسات الشرق الاسلامي

أزمات الأمة ودور صناعة الفكر في الإنقاذ

 

مقتطفات وفوائد من محاضرة أ.الحبيل

____________///___________///____________

في المقدمة :

يأمل أ الحبيل خيرًا في المهجر العربي الموجود في إسطنبول بالقيام بدور في صناعة قاعدة فكرية لدول وإنسان الشرق المسلم ،لأنه يحوي تكاملًا من مدارس عديدة.
ويدعو لاعتبار مادة هذه المحاضرة ،مقدمة حوارية لتدارس الفكر وواقعه اليوم ،ويُركز على أنّ أحد مهام الفكر هي إستشراف المستقبل ،أ كان سلبًا أو إيجابًا
أ كان يحمل شررًا أم يحمل زخات من برد يُستمطر بها خيرًا.
وأن الإسلاميين كجماعات وأحزاب فرّطوا كثيرًا في مسألة العودة الى الفكر وتجديده والتي هي قضية أصلية من مفاهيم الوعي والفقه والتشريع في الإسلام ،وتستند دائمًا في إحدى ركائزها على تحويل الأزمات الى مادة تجديد فكري، تُبنى على اليقظة التي تُصاحب فشل وإنهيار التجارب،
وأنه ليس من السهولة ،أن تُخلْق مادة حل لأزمة سياسية عاجلة دون التقعيد الفكري المطلوب ،وكمثال على أهمية التراكم المعرفي في مسألة عبور الأزمات ،يرى أستاذ الحبيل أن الإرث المغاربي الكبير من التراكم المعرفي والفلسفي الإسلامي مقارنة بالشرق ،كان له دور ملموس في المساهمةعلى إحتواء الأزمة بعد الثورة التونسية أو حتى في الحركة الإصلاحية في المغرب ،
وليس المقصود الوصول الى نجاحات كبيرة أونهايات غائية وإنما حلول وتفاهمات تمنع إنهيار الدولة بحرب داخلية أو سرقة الثورة بتدخلات خارجية وتحويل الأرض الى أرض محروقة،
هذا بالمقارنة مع المناداة بالتمسك بالمنهج وتطبيق الشريعة مما يجعل الأرض تنهار وليس المطلوب من هذا أن تُتبع التجربة بالكامل وإنما تُستنتج منها الرؤى.
أما عن السؤال،

أين يقع الفكر في خارطة الفكر الإسلامي اليوم ؟
سنجد أزمة كبيرة ،خُلقت في قرون من بعد الخلافة الراشدة وتعززت في عقود من بعد وهن وإنهيار ثم سقوط الدولة العثمانية.
إنّ الأزمة الكارثية التي يعيشها حاضر العالم الإسلامي اليوم ليست في جغرافيته المحروقة وإنما في وصوله لمرحلة الدفاع عن الفكرة الإسلامية ذاتها وإمكانية عبورها و نجاحها في الإنقاذ ،والمسألة الدفاعية لشباب المسلمين أولًا ،الذين تاهت خُطاهم بين جهات بلا أدنى شك متخصصةتهدف لتشكيكهم وإضعاف روح الإنتماء للإسلام لديهم وبين إنهيارات تقع أمام أعينهم لبلدانهم وإنسانها ،بالإضافة لما تُعانيه الأمة من ترسبات الإستبداد وأثره على القيم الإنسانية ،
قبل مناقشة الكثير من المواضيع المهمة يجب وضع اعتبار لتساؤلات الشباب واستيعابها والرد عليها بإحتواء ،وتفكيك بعض المفاهيم المغلوطة حتى وإن كان في شكل وضع تساؤلات تُضاف للقائمة ،
فمثلًا:
بجانب السؤال عن، أين انتصرت الفكرة الإسلامية ولماذا هُزمت أرضها؟
يجب وضع سؤال ،أين إنتصرت الدولة المدنية الغربية وأين إنهزمت؟
وهل المسئولية فقط على المشرق ودوّل الجنوب عمومًا؟
هذا ليس من جانب الإعفاء عن المسئولية الذاتية وإنما بيان كامل الحقيقة،فالدولة المدنية في الغرب والتي تأسست بعد حروب كارثية ومطاحن بشرية ،نجحت اليوم نجاح كبير في بسط قيم العدالة والحريّة والرفاه في حدود مواطنتها فقط ،
والسؤال ماذا قدمت للعالم وهل تغيرت نظرتها وتعاملها لعالم الجنوب ومن المسئول عن العدالة اليوم ،أليس هو الغرب القائم على مؤسساتها ومُمسك بقيم معادلتها؟،
هذا لا يمنع الاعتراف بحجم هذا المشروع الكبير والاستفادة مما يُناسب المكون الشرقي .
وعن السؤال الكبير :

أين يقع تأريخ الفكر الإسلامي بين الأمم؟
وماذا نعني بمهمة الفكر؟
ينحت أستاذ الحبيل عبارة ،يقول إنها وان كانت تشبه بعض أطروحات ابن خلدون ،لكنها دقيقة في الوصف،

مداورة العقل لتدبر الأحوال والأكوان:
التدبر الذي يأمرنا الله عزّ وجلّ به بإلحاح في القرآن الكريم ،لا يكون فقط في الإيمانيات التربوية وإنما في عُمق الحالة السياسية ،
وأين هي هذه الحالة اليوم ؟
هل وصلت لمرحلة اليقظة أولًا حتى تنطلق منها إلى سُلم نهضتها؟

إن مهمة الفكر تندرج تحت عنوانين:
أسئلة الوجود والإيمان
وكيفية الإستخلاف والعُمران
والناظر في تأريخ الفكر الإسلامي يُفاجأ للأسف ان الأزمة متاخرة وليست متقدمة ،فقد تعامل علماء ،ففقهاء متقدمين مع آلة الجدل والحوار الإنساني والتي لا تتوقف بتوقف المسلمين عنها وإنما لغة الفلسفة هي أول حوارات العقل البشري بلا إستثناء،
وما حدث من المتقدمين كان إستيعاب ورد بدائل مع إبقائهم على العلوم المؤتمنة كما يقول الغزالي،وليس كما يقول به المتأخرون من أن ترجمة كتب الفلسفة في عهد المأمون كانت مدخلًا للشرور والمطلوب إغلاق العقل دونها ووضعها في جانب الفكر الضلالي والبدعة والإنحراف ،ونحن هنا لا ننادي بها وإنما نُثبت أنّ الإسلام يقبل بقاعدة المناظرة في الفلسفة لوجود الله سبحانه وتعالى ولقصة الوحي والنبوات وإرسال الرسل وهو ليس عاجز في موضوع مداورة العقل لمفهوم الإيمان الكُلي المتسع والشاسع ،لمن يأخذ بها ويمكن الرد عليه ولدينا مثال جميل من المتأخرين في هذا نجده في كتاب علي عزت بيجوفيتش (الإسلام بين الشرق والغرب)،
وأما في وضع أساسيات علم الاجتماع للانطلاق في مفاهيم العمران فالكل يعرف دور ابن خلدون وفكره الذي كان قاعدة أساسية لما نشهده اليوم من تقدم وازدهار في الدولة المدنية الغربية ،
وفي عبارة ابن تيمية (الإنسان مدني بطبعه )يُمكننا قراءة الكثير من مفاهيم اليوم العصرية من صناعة المجتمع والعلاقة بالآخر،
ما نُريد إثباته أن هذه المداورة الفكرية كانت موجودة ولم تنقطع ،وأن ميدان الفكر غني وقديم في التاريخ والأسماء ولكن السؤال أين هو اليوم في واقع الجماعات والأحزاب الإسلامية؟
وهل القصور في فهم هذه المادة للجماعات اليوم له تأثير في علاقتها مع مجتمعاتها وحتى مع أزماتها،ولابد من حركة نقد كبيرة لهذا الإرث الفكري للإستفادة منها فبالقياس لحركة التطور التي صحبت الفكر من الدولة العباسية وحتى الدولة العثمانية ،يجب أن يكون وصل إلى مرحلة متقدمةولكن الوضع غير ذلك ،

إن الإيمان بأن الفكر الإسلامي مادة أصيلة وغنية لا يجب إهمالها ،ليس حصرًا على الإسلاميين وإنما يوجد حتى عند بعض التيارات العلمانية .
هناك مسألة مهمة يجب تحريرها أولًا في قضية الإرث الفكري الإسلامي،وهي :
هل الفكر مُحال إلى تاريخ المسلمين وأزمات زمانهم ودولهم ؟
أم إلى ما صح من الشارع وما أثبتته التجارب البشرية للمقاصد الكُليّة من تفعيل ونجاح للأفكار؟
فالتراث الإسلامي غني ومليئ بالكنوز وايضاً مُشبّع بالكوارث التي يجب وضعها في بند الإنحرافات،
فما حدث في الدولة الأموية انحراف ،ومثله ما مارسته الدولة العباسية من مطاردة الطالبيين،
أما دخول السلطنة العثمانية في الحرب العالمية بعد الفتوى بالجهاد مع ألمانيا فهي أكبركارثة بالإجماع عاشها العثمانيون ،
وبالمقابل نجد فترة حكم عمر بن عبد العزيز والذي تمت تزكيته دون من قبله بالإجماع على أنه خليفة راشد وليس له صُحبة وأنه،صاحب تجربة واقعية مقارنة بالمناداة بالمدينة الوهمية عند إفلاطون ،
ما نريد الوصول اليه بعد هذا التحرير ،هدفان :
الأول بيان الفرق بين الشريعة والتاريخ ،مع الإلتفاته الى أهمية المراجعات الآن ،فالمفكرون المتقدمون إنتبهوا لبعض القصور وأطلقوا مراجعاتهم ولكن للأسف لم يؤخذ بها والنتائج تُقرأ الآن (مثال حاجي خليفة أطلق مراجعات ١٦٥٠للتنبيه بدور الغرب في وجود وزيادة فجوة بين العرب والفرس والأكراد والترك )
وأن ،التاريخ الناجح مثل فترة عمر بن عبد العزيز لا يجب أن نكتفي فيه بالسرد والإعجاب وإنما يُدرس لصياغة نموذج وميثاق ،فما قامت عليه تجربته يشمل ما ننادي به اليوم بمسمى العدالة الاجتماعية (إهتم بالحق الاقتصادي والرفاه الاجتماعي مع العدالة السياسية)
وهنا محور تفاهم مهم مع القيم المشتركة اليوم للاستفادة من التجارب الموجودة للتصويب والفهم العميق للمفاهيم الكُليّة وليس الآليات فقط باستخدام الأهداف المقاصدية الكبرى للإسلام لصياغة نموذج ما يُسمى الدولة المدنية المسلمة .

والهدف الثاني بيان دور الفكر في تأسيس وبناء قاعدة مجتمعية وسياسية ،
أولا في فهم ما المقصود بالأهداف المقاصدية الكُبرى للشريعة لنأخذ أمثلة:
الصلاة تشترك مع العمل السياسي في أن لهم أصل تعبدي ويأتي الإختلاف في كون الصلاة لها صفة تنفيذية واضحة المعالم وهذه الصفة لم ينص عليها الشارع سبحانه في السياسة وذلك لأنه متعلقة بالتطور الطبيعي لتاريخ البشرية ،فجاء السكوت عنها في التفاصيل مع الإبقاء على القيمالأصلية فيها لأن الشريعة باعتبارها الخاتمة لا تعارض سَنَن الله الكونية وبها مساحة شاسعة لكل إعتبارات التغيير المجتمعية،
مثال آخر في الاقتصاد ،مابين مفهوم الزكاة كبند تكافلي وصفتها التنفيذية وبين مفهوم ألاّ يكون المال دولة بين الأغنياء وعدم تحديد الآلية لعدم التدوير في طبقة محددة تؤثر على الفرد الضعيف مع حفظ حق العمل والثراء للكل ،وهنا أيضًا تتسع المساحة للعمل الاقتصادي بحسب الزمان مع الاحتفاظ بأصل القيم ،
ما نخلُص اليه هو الفرق بين الدور الفقهي والفكري وأن لكل منهم مجاله ولا يعني هذا إجحاف دور الواعظ في التربية الرشيدة وإنما عدم تَصَدُّره لمسائل خارج تخصصه والأولى تركها لأهلها،
وهنا أيضًا نضرب كمثال ومقارنة بين ما حصل ويحصل في الثورة السورية من إختطاف للميدان العسكري والسياسي بمسميات الجهاد والخلافة وتطبيق الشريعة وما آلت اليه سوريا اليوم من حرق كامل للأرض وتشرد لمن تبقى من إنسانها ،وبين تجربتي تنكو عبد الرحمن في ماليزيا وعلي عزت بيجوفيتش في البوسنه،
فالأول قاد الحركة الوطنية المالاوية للتحرير من الاحتلال الإنجليزي وتبعاته من توطين أقليات لأغراض تخدم أهدافهم بنجاح وكانت النتيجة العبور الى حل سياسي به تم دفع الضرر الأكبر عن الانسان والأرض والعمل على إثبات الهوية مع الاهتمام بالحداثة وصياغة نموذج دستوري وحقوقي تحالفي،
وكذلك بيجوفيتش وعبر اتفاق دايتون ،حافظ على ماتبقى ،هذا فضلًا عن استراتيجيته المعروفة في ضبط حركة المجاهدين .
بسرد هذه المقارنات نود الوصول الى ان الحركات الإسلامية العربية بكل أطيافها ،ينقصها هذا المفهوم الفكري الشامل وعليها تأسيس ميثاق ذاتي للعبور من حركة الجماعة الضيقة الى رحاب المجتمع الواسع ،كما عليها وعبر نخب فكرية قادرة انتاج خلاصات فكرية لمفهوم كيفية دفع القوىالباطلة ومنهجية وصياغة الدولة قبل القفز الى العمل السياسي
في الختام نثبت ان الهدف الأسمى للفكر بيان الفريضة المهمة للدين وهي أنه قاعدة إنطلاق للحياة وعمرانها قبل أن تتحول لمآل الآخرة
وهذا في مسارين ،المسار الفردي للشخص المسلم ومسائل العقيدة والإيمان وفهم مدلولات الدين والمسار العام في تنظيم حياة المجتمع في الاستخلاف والعمران.

 

الخنساء

مكتب دراسات الشرق